اقترح التقرير السياسي المقر في الدورة الاعتيادية الثامنة للجنة للحزب الاشتراكي اليمني المركزية تسوية تاريخية تتبناها كل القوى اليمنية في السلطة والمعارضة لحل المشكلة اليمنية.
وقال التقرير المقدم من الدائرة السياسية إن نرى في الحزب الاشتراكي اليمني أن المدخل الأساسي لحل هذه المشكلة يتمثل في الإقدام على خطوة شجاعة تتبناها كافة القوى السياسية اليمنية في السلطة والمعارضة، في الداخل والخارج من خلال تسوية تاريخية تحتوي من المسؤولية والجرأة مثلما تحتوي من الرغبة في إخراج البلاد من المأزق بعد أن أثبتت التجربة الماضية فشل النظامين الشطريين وفشل الوحدة الاندماجية وفشل الوحدة بالحرب".
وأوضح التقرير أن التسوية التي اقترحها تبدأ بالإقرار بمشروعية القضية الجنوبية ومعالجتها "والإقرار بأن بقاء اليمن كيانا واحدا يستدعي بالضرورة إعادة النظر في شكل الدولة بتبني مشروع الدولة المركبة عوضا عن الدولة البسيطة، وذلك من خلال نظام اتحادي يكفل المشاركة الشعبية الواسعة في السلطة والثروة".
وفيما يلي نص التقرير:
التقرير السياسي المقدم من الأمانة العامة والمكتب السياسي والمقر في الدورة الثامنة للجنة المركزية للحزب الاشتراگي اليمني «دورة الفقيد أنور خالد»
الأخوات والإخوة / أعضاء اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني
أسعدتم بالخير صباحاً
.
في البدء اسمحوا لنا أن نرحب بكم أطيب ترحيب، متمنين لكم ولدورتكم هذه الموفقية والنجاح.
أيتها الأخوات أيها الأخوة:
تنعقد الدورة الثامنة للجنة المركزية للحزب، في ظل ظروف أشد تعقيداً على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية عكست نفسها بصورة مباشرة وغير مباشرة على الحياة السياسية والتنظيمية الداخلية للحزب، تعذر معها انعقاد هذه الدورة في موعدها المحدد، كما ارتبط ذلك بما تعرضت له الحياة الحزبية الداخلية من ضغوط وملابسات ذات صلة ببطء التحضير للدورة الانتخابية على طريق المؤتمر العام السادس للحزب، ولاسيما في عدد من منظمات الحزب في بعض المديريات في المحافظات الجنوبية الملتهبة، مترافقة مع اشتداد حالة القمع والملاحقات والاعتقالات والمحاكمات لنشطاء وقيادات الحزب على خلفية الحراك السلمي الجنوبي.
وفي هذا السياق تكتسب دورتكم هذه اهمتيها الخاصة من كونها تأتي بعد انقطاع طويل نسبياً وتسارع الأحداث والمتغيرات السياسية التي شهدتها الفترة بين الدورتين، على الصعيدين الداخلي والخارجي، الأمر الذي يضع اللجنة المركزية أمام استحقاقات بالغة الأهمية في حياة الحزب الداخلية متعلقة بالإصلاحات التنظيمية المقدمة إلى دورتكم هذه، واستكمال الإجراءات والمتطلبات الضرورية لعقد المؤتمر العام السادس للحزب خلال فترة لا تتجاوز خريف عامنا هذا 2010.
وبنفس القدر من الأهمية تأتي المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية الدافعة بالبلاد نحو المجهول، لتضع اللجنة المركزية للحزب أمام مسؤولياتها التاريخية في التصدي لهذه التحديات المستجدة، المفتوحة على كافة الاحتمالات، و التي يأخذها الحزب وشركاؤه في الحياة السياسية على محمل الجد، ويتعاطى معها بمسؤولية وطنية عالية. وهو ما
يضع الجميع هنا أمام خيارين لا ثالث لهما، وعلى اللجنة المركزية أن تختار المسار الذي تريد، وتتحمل تبعات خيارها سلباً وإيجابا.
فإما أن تختار الإصلاحات البنيوية النوعية داخل الحزب، والسير بخطى حثيثة نحو استكمال الدورة الانتخابية في مختلف المحافظات، والانتقال بروح كفاحية عالية لانجاز فعاليات المؤتمر العام السادس للحزب، وتفعيل دوره والتحامه بالمسار النضالي الجماهيري المتصاعد على مستوى الساحة الوطنية، الذي يلعب فيها الحزب دوراً تحديثياً هاماً ، مع شركائه السياسيين، في إطار كتلة تاريخية متعاظمة تتسع يوماً عن يوم بالحوار الوطني المتواصل على قاعدة التغيير السلمي الديمقراطي، المفضي إلى حلول ومعالجات وطنية شاملة، توقف حالة الانهيار وتحل القضية الجنوبية حلاً عادلاً، يضع الجنوب في إطاره الطبيعي كطرف في المعادلة الوطنية وشريك حقيقي في السلطة والثروة، في إطار دولة اتحادية لامركزية «فيدرالية»، ذات حكم محلي كامل الصلاحيات على النحو الذي حددت معالمه الأساسية وثيقة «مشروع رؤية الإنقاذ الوطني» في ظل عقد اجتماعي جديد يتضمن التشريعات الضرورية المجسدة لهذه المتغيرات، كمدخل لمعالجة وطنية شاملة لكل القضايا والبؤر الملتهبة في البلاد أو تختار المراوحة في ذات المكان الذي يستهدف فيه الحزب من كل اتجاه، في أشرس حملة تدار ضده دون غيره من الأطراف السياسية وفي المقدمة نشطائه، ومنظماته القيادية والقاعدية المنخرطة في الحراك، بمختلف الوسائل العنيفة والناعمة التي تدفع بها السلطة لاستئصاله كفكرة ورمزاً، وكياناً سياسياً، وتاريخاً كفاحياً من الذاكرة الوطنية، ليسهل إخراجه من دائرة الفعل في الجنوب أولاً، كمقدمة لتصفيته نهائياً على مستوى الساحة الوطنية عموماً، وعلى النحو الذي يجري فيه تسويقه قسرياً كنقيض للحراك السلمي في الجنوب حينا أو تحميله مسؤولية الحراك حيناً أخر أو في محاولة تغييبه وتشويهه في وعي الناس وفي الفعاليات السلمية للحراك التي ينهض بها أصلا أعضاء وأنصار الحزب، أو في محاولة تمزيقه وتجزئته تعسفياً وبصورة عبثية، لا تخدم إلاّ خصوم الحزب أو المنتقمين منه، الذين يحاولون تحميله أوزار ما يقترفونه بحق الشعب والوطن من عنف وعبث سياسي يطال حاضره ومستقبله، في حملة متكاملة في إيقاعاتها تديرها بصورة غير مباشرة الأجهزة الأمنية و الاستخباراتية من داخل الحراك وخارجه، أو تلك الموجهة من داخل وخارج أجهزة السلطة مباشرة.
أيتها الأخوات أيها الإخوة:
إن هذه الاستحقاقات والتحديات بالغة الأهمية والخطورة في ذات الوقت، المنظورة أمام دورتكم هذه ، تقتضي من الجميع الاضطلاع كل بدوره الفاعل والجاد، و التفاعل الايجابي مع القضايا المطروحة للتداول والنقاش، بعقول وقلوب مفتوحة، تستحضر الروح الكفاحية لحزبنا،لإنجاح هذه الدورة، والخروج بالقرارات والتوصيات المعززة لوحدة الحزب وتماسكه، والدافعة باستكمال الدورة الانتخابية الكاملة للحزب، على طريق إنجاح المؤتمر العام السادس كخطوة إلى الأمام باتجاه تفعيل الدور النضالي للحزب وحضوره السياسي والوطني التحديثي، كطرف فاعل في الكتلة التاريخية المتعاظمة في البلاد على طريق الإنقاذ الوطني والحل العادل للقضية الجنوبية، والتغيير السلمي الديمقراطي المنشود.
أولاً: مستجدات المشهد السياسي الوطني:
تكشف مؤشرات المشهد السياسي المستجدة على مستوى الساحة الوطنية خلال الفترة مابين دورتي اللجنة المركزية مارس 2009 إلى مايو 2010، بوضوح شديد، عن تفاقم حده الأزمة العامة القائمة في البلاد، بمظاهرها المختلفة وبؤرها الملتهبة، ومساراتها المتسارعة، التي تتجه بالبلاد نحو الفشل والانهيار، كنتيجة طبيعية لغياب الإرادة السياسية لدى السلطة الحاكمة لالتقاط الإمكانية التاريخية المتاحة في قلب الأزمة الوطنية، وتحويلها إلى فرصة للحل والإصلاح الشامل.
وفي مقابل الموقف السلبي للسلطة، أحدثت الأزمة قلقاً واسعاً داخل البلاد وخارجها فيما كان الحزب الاشتراكي اليمني قد حذر مبكراً من تداعياتها الكارثية، وعمل مع شركائه في تكتل اللقاء المشترك، على البحث عن حلول ومعالجات وطنية لها خارج إطار السلطة- مع تكرار المحاولات وعدم القطيعة معها- وفي هذا السياق جاء مشروع رؤية الإنقاذ الوطني، الصادر صيف العام المنصرم2009، عن اللجنة التحضيرية للحوار الوطني، كمحصلة للجهد الفكري للعقل الجمعي الوطني، ليمثل نقلة نوعية في القدرة التشخيصية لمظاهر الأزمة الوطنية، في بؤرها الملتهبة، ومساراتها المتفاقمة، أو في الربط بين الحلول والمعالجات العاجلة، وتلك النوعية والإستراتيجية، في التغيير السلمي الديمقراطي والإصلاح السياسي الوطني الشامل، عبر حوار وطني
لا
يستثني احد، كخيار اللحظة الأخيرة لدرء كارثة الفشل والانهيار.
1-
مستجدات القضية الجنوبية:
لقد تصدرت القضية الجنوبية على مدى السنوات الثلاث ا لمنصرمة المشهد السياسي اليمني وأصبحت عنوانا رئيسيا من عناوين الحياة السياسية في بلادنا ، ولم تكتسب القضية الجنوبية هذه الأهمية من الترويج المصطنع أو الدعاية المفتعلة ولكنها اكتسبتها من مشروعيتها وعدالة منطلقاتها السياسية والوطنية وأهليتها التاريخية والقانونية.
فعلى مدى أكثر من عقد ونصف ظلت القضية الجنوبية على الدوام تكثف في طياتها مظاهر وخفايا النتائج المدمرة لحرب 1994 التي قضت على المشروع الوحدوي العظيم وحولته إلى غنيمة حرب بيد المنتصر الذي حشد من خلال زهو الغلبة الخادع كل معاني الاستحواذ والاستعلاء والإقصاء والنهب وتزييف الحقائق ومسخ المضامين الوطنية للتاريخ الجنوبي وتدمير أسس الدولة التي تكونت على مدى سني ما بعد
الاستقلال، وجاء الحراك السلمي الجنوبي معبرا عن الرفض الشعبي العارم لكل نتائج الحرب المدمرة وما تلتها من سياسات أقل ما يمكن أن توصف به بأنها تقوم على الانتقام والاستباحة والتدمير.
ولئن كان الحراك السلمي قد بدأ أيامه الأولى بمطالب حقوقية عبرت عنها نداءات وفعاليات جمعيات المتقاعدين العسكريين، فإنها وبمرور الأيام ومع تنامي الإجراءات البوليسية في تعامل السلطات الرسمية مع فعالياته الاحتجاجية وازدياد عدد ضحاياه من القتلى والجرحى والمعتقلين والمطاردين قد بدأ يتجه نحو طرح المطالب السياسية التي تراوحت بين طرح قضية الشراكة الوطنية في السلطة والثروة واستعادة مكانة الجنوب كشريك أساسي في بناء الدولة المفترضة، وبين مطلب فك الارتباط الذي طغى على واجهة معظم الفعاليات السلمية المنعقدة في جميع محافظات الجنوب ومديرياتها في الآونة الأخيرة.
ونحن نستعرض صيرورة الحراك السلمي في المحافظات الجنوبية ومدى التحولات التي مر بها فإنه جدير بنا التوقف عند جملة من المشاهد والحقائق التي لا يمكن الحديث عن الحراك السلمي الجنوبي دون الإشارة إليها والتي يمكن تلخيصها فيما يلي:
1- لقد أعلن الحراك منذ أيامه الأولى عن تمسكه بالخيار السلمي وسيلة وحيدة للنضال من أجل تحقيق الغايات التي أعلن عنها سواء كانت تلك الغايات هي المطالبة باستعادة روح الشراكة الوطنية في المشروع الوحدوي بمضمونه التقدمي والنهضوي والحضاري، أو حتى تلك الشعارات المتصلة بالمطالب ذات السقوف الأعلى.
2 - لقد شهد الحراك تضاعفا متناميا في عدد الجماهير المنخرطة فيه ففي حين بدأ فعالياته الأولى ببضع عشرات وربما المئات فإن عدد المشاركين في بعض الفعاليات اللاحقة قد بلغوا عشرات بل مئات الآلاف أحيانا تقاطروا من مختلف محافظات ومديريات الجنوب، برغم العوائق والموانع وحملات الاعتقال التي تعرض لها المشاركون في تلك الفعاليات.
3- لقد عبر هذا الاندفاع الهائل للحشود الجماهيرية الكبيرة ممن يتمكنون من الوصول للمشاركة في تلك الفعاليات، فضلا عن أمثالهم ممن لم يتمكنوا من الوصول عن مكبوت من الشعور بالغبن والقهر والضيم ترجمته الفعاليات الجماهيرية إلى رفض علني للسياسات الرسمية القائمة وهو ما ظل محبوسا في الصدور والنفوس على مدى ما يقارب العقد والنصف.
4- كان من الطبيعي أن ينجم عن هذا الاتساع الكمي حالة من الفرز والتباين داخل صفوف جماهير وقيادات الحراك ومن هنا جاء تشكيل المسميات المختلفة كحركة نجاح والمجلس الوطني والهيئة الوطنية للحراك السلمي وهيئة الاستقلال ثم ما سمي لاحقا بمجلس قيادة الثورة السلمية فمجلس الحراك السلمي لاحقا والذي يفترض إنه قد احتوى كل الفعاليات والهيئات والمكونات إلى جانب حركة تاج التي تمارس نشاطها من الخارج، بيد إن الوقت لم يتح أمام هذه المكونات لتعبر عن نفسها سياسيا وبرنامجيا حيث جاء الإسراع في محاولة دمجها في بعضها وتوحيدها على نحو مستعجل ليمنع إمكانية التنوع الإيجابي والتباين البناء بين مكونات الحراك السلمي.
5- لقد غلب على الحراك بفعالياته ومكوناته عنصر الكم على العنصر النوعي، في إدارة الحراك فانخراط الجموع الجماهيرية الهائلة في الفعاليات الاحتجاجية، لم يقابل ذلك بتنامي نوعي سواء من حيث تطوير الخطاب السياسي والتمييز بين ما هو تكتيكي وما هو استراتيجي، وما هو آني وما هو مرحلي، وما هو رئيسي وما هو ثانوي أو من حيث تطوير الأدوات القيادية ذات البناء التنظيمي الدقيق التي تبلور النهج السياسي و تحدد خط الحراك السلمي الفكري والسياسي وتطوير سياسة التحالفات،وربما لم تبذل جهود حقيقية في هذا الاتجاه حرصاً على إبقاء الحراك كيانا مفتوحا على كل الأطياف والألوان والمستويات السياسية والمشاريع المتفاوتة بل والمتناقضة أحيانا.
6- لقد سمحت حالة السيولة التي يعيشها الحراك بانخراط كل من شاء في فعالياته ومكوناته المختلفة بأن قفز بعض المنخرطين حديثا في الحراك من محدودي الخبرة أو من أصحاب المشاريع غير الواضحة إلى مقدمة الصفوف وهو ما خلق حالة من الإرباك في صفوف نشطاء الحراك من ناحية، وحالة من الشك والارتياب لدى أنصار الحراك والمتعاطفين مع القضية الجنوبية تجاه بعض الأسماء التي لم تكن محل اطمئنان الأنصار والمتعاطفين.
7- لا يمكن ونحن نتحدث عن القضية الجنوبية أن تفوتنا الإشارة إلى أن الحملات الأمنية والقمعية التي واجهت بها أجهزة السلطة فعاليات الحراك السلمي قد تمخضت عن سقوط المئات من الشهداء والجرحى فضلا عن آلاف المعتقلين الذين ما يزال العديد منهم رهن الاعتقال إلى جانب عشرات المحاكمات الصورية التي بلغت الأحكام الصادرة في بعضها عشر سنوات في حق نشطا الحراك وهو ما ضاعف من عملية الاحتقان ودفع الأمور باتجاه المزيد من التوتر بدلا من معالجة جذر المشكلة المتمثل في النتائج المدمرة لحرب 1994 الظالمة. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى تعمد السلطة بإ جراأتها القمعية إلى استهداف قيادات وأعضاء ونشطا الحزب الاشتراكي اليمني على وجه الخصوص -والذين يتعرضون للملاحقات والاعتقالات والمحاكمات السياسية، والأحكام التعسفية، على ذمة الحراك السلمي في الجنوب، والذي تكتظ بهم سجون السلطة في العاصمة صنعاء وفي كل من محافظات الضالع ولحج وعدن وأبين وحضرموت.
8- لقد كان وما يزال ممكنا أن تغدو القضية الجنوبية بوابة رئيسية للتغير السلمي في عموم البلاد وذلك فيما إذا جرى الإمساك بجذر المشكلة الأساسية في البلد والقائمة على إدراك عنصر الصراع الأساسي في اليمن وهو الصراع القائم بين مشروعين أحدهما هو مشروع الدولة المدنية الحديثة الذي تتبناه كل قوى التغيير والحداثة في اليمن من أحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني ومثقفين وأكاديميين وشخصيات وطنية ورجال دين ووجهاء اجتماعين وطنيين، ورجال المال والأعمال الوطنيين، ومشروع آخر يقوم على التسلط والهيمنة والغنيمة والاستحواذ وهو المشروع الذي تقف وراءه قوى التخلف المتحالفة مع قوى الفساد وقوى النهب والفيد وأثرياء وتجار الحروب .
ومن الجدير بالملاحظة أن الحراك بدأت تتخلله وتتسرب إليه بل وتقتحمه عنوة الكثير من الأصوات التي تضر بمضمونه أكثر مما تخدمه، من خلال استعداء العديد من الأطراف التي تناصر القضية الجنوبية وتؤازر الكثير من مطالب الحراك وتتصدى للسياسات الرسمية القائمة على البطش والتنكيل والمطاردة والقتل والاعتقال للنشطاء الميدانيين.
9- لقد علت في الآونة الأخيرة بعض الأصوات الإقصائية التي تبشر سلفاً بتغييب هذا الحزب أو ذاك في المستقبل حيناً أو إنكار تمثيله للجنوب حيناً آخر، مستهدفة بذلك الحزب الاشتراكي اليمني ومعه أحزاب اللقاء المشترك. إن هذه الدعوات لا تعبر فقط عن حماقة سياسية بل وتبعث الكثير من القلق على مستقبل الحراك الذي يفترض فيه أن يقدم نفسه على أنه يرفض الإقصاء ويتصدى له ويكرس ثقافة التسامح وينتصر للتنوع والتعدد ويقبل بالآخر، عوضا عن اقتداء أصحاب هذه الدعوات بنهج السلطة القائم على الاتهام والاستعداء والبحث عن الخصومات بدلا من البحث عن المناصرين.
وإذا كان مفهوما أن البعض يبعث بمثل تلك الرسائل في محاولة لاسترضاء السلطة والتظاهر بمخاصمة أحزاب المشترك لطمأنتها بأنه لا يتبنى خط المشترك، فضلا عن أولئك الذين ينفذون أجندات منسجمة مع خط السلطة في محا صرة وضرب الحراك السلمي، فإن ما يبعث على الاستغراب أن تصدر تلك الأقوال عن عناصر هي ضحية المطاردة والملاحقة ووحده المشترك وأحزابه هو من يدافع عنها ويتصدى لما تتعرض له من حملات تشهير وملاحقة ووحده المشترك هو من يربط أي تفاهم مع السلطة بالكف عن السياسات القمعية تجاه نشطاء الحراك السلمي.
10- وفي سياق متصل نعتقد أن بعض القوى المتنفذة في السلطة
وخارجها
لم تتخل بعد عن ممارسة الخصومات الاقصائية وعن مشاعر الثأر التاريخي مع ثورة 14 أكتوبر والحزب الاشتراكي اليمني، ولذلك نجدها تقف وراء تلك الدعوات الإلغائية ضد الآخر، و على وجه الخصوص الحزب الاشتراكي وتكتل اللقاء المشترك، بصورة تخلو من أي أفق سياسي ، وتكمن خطورة هذه الدعوات في أنها تحاول فرض نوعاً من الانعزالية على مسار الحراك، و الدفع به نحو الوقوع تحت طائلة الحصار، والانطواء على الذات والانكماش، ناهيك عن أن مثل هذه الدعوات الانعزالية تحاول تجريد الحراك من الطاقة الكبرى لأعضاء وأنصار الحزب، وتكتل المشترك و التي لا تزال تشكل حتى الآن عموده الفقري.
إن القضية الجنوبية تمر اليوم بلحظات حرجة من حيث:
1- اشتداد الهجمة الأمنية والعسكرية والمتمثلة بفرض الحصار العسكري على المدن الرئيسية في الجنوب .
2- محاولة إحياء الصراعات والنزعات التناحرية بين مكونات الحراك من خلال محاولة إذكاء الصراعات السياسية السابقة في الجنوب سواء صراعات ما قبل الاستقلال أو تلك المتصلة بمراحل ما بعد الثلاثين من نوفمبر 1967م وذلك بتحريض أطراف ضد أطراف أخرى وتغذية التناقضات بين النشطاء الميدانيين.
3
-
محاولة إحياء النزاعات القبيلة والمناطقية بعد أن دفنت منذ أكثر من أربعين عاما وتوظيف تلك النزاعات في خلق المزيد من عوامل التوتير والتفكك الاجتماعي والوطني.
4- محاولة تحويل الصراع من صراع بين مشروعين مختلفين أحدهما يخدم الوطن كل الوطن والآخر يخدم الجماعات الطفيلية المستفيدة من الفساد والعبث والنهب، وتحويله إلى صراع شطري يتناحر فيه أبناء المحافظات الجنوبية مع أبناء المحافظات الشمالية ويبقى المتسبب في كل ما يعانيه الوطن من آلام ومآسي في مأمن من الكشف والتعرية ناهيك عن المساءلة والمحاسبة.
5- تنامي الاتجاهات والنزعات العدوانية لدى بعض الذين يدعون أنهم ينتمون إلى الحراك وعدم قدرة القيادات الفعلية للحراك على التصدي لهم وردعهم من القيام بالإساءة إلى الحراك وإلى المضمون الوطني والحضاري والإنساني للقضية الجنوبية.
6- محاولة الربط بين القاعدة والحراك وتصوير الحراك أمام المجتمع الدولي على إنه حليف للقاعدة ليسهل تأليب العالم ضده ومن ثم القضاء عليه ودفن القضية الجنوبية.
7- محاولة تحريض الجنوبيين ضد بعضهم البعض سواء من خلال الادعاء بأن الوحدويين الجنوبيين سيتصدون بأنفسهم للانفصاليين الجنوبيين أو من خلال ما سمي بجماعات الدفاع عن الوحدة والتي يقوم المنتميين إليها بالكثير من الأعمال الإجرامية ثم ينسبونها إلى الحراك السلمي.
إنه وفي ظل التعقيدات الراهنة للحياة السياسية اليمنية المشوبة بالاضطراب والتفكك والمملوءة بعناصر التأزيم والتهديد بالتشظي الوطني والاجتماعي وفي ظل استمرار السياسات الرسمية القائمة على العبث بالحياة السياسية و الاستقرار في صنع الأزمات وتحويلها إلى صناعة رسمية يستثمرها تجار السياسة في ما يعتقدونه أنه إطالة لأمد بقائهم في الحكم، فإنه لا يمكن معالجة القضية الجنوبية بمعزل عن القضية الوطنية ككل، وبهذا فإن حل القضية الجنوبية يستدعي إقامة أوسع جبهة للتحالف بين كل قوى التغيير في عموم الساحة اليمنية ذلك أن بقاء هذا الوضع المهيمن على البلد منذ عقود بآلياته الصدئة وطرائقه الشائخة وسياساته العشوائية إنما يظل عائقا لأي تطور في أي جزء من الوطن وفي عموم الوطن، ولا يمكننا تصور تحقيق أي مشروع للنهوض في جزء من الوطن دون أن يكون هذا المشروع شاملا للوطن اليمني كله.
ونرى في الحزب الاشتراكي اليمني أن المدخل الأساسي لحل هذه المشكلة يتمثل في الإقدام على خطوة شجاعة تتبناها كافة القوى السياسية اليمنية في السلطة والمعارضة، في الداخل والخارج من خلال تسوية تاريخية تحتوي من المسئولية والجرأة مثلما تحتوي من الرغبة في إخراج البلاد من المأزق بعد أن أثبتت التجربة الماضية فشل النظامين الشطريين وفشل الوحدة الاندماجية وفشل الوحدة بالحرب، وهذه الخطوة لا بد أن تتمثل في الإقرار بمشروعية القضية الجنوبية بأبعادها الحقوقية والسياسية، والعمل على معالجتها والإقرار بأن بقاء اليمن كيانا واحدا يستدعي بالضرورة إعادة النظر في شكل الدولة بتبني مشروع الدولة المركبة عوضا عن الدولة البسيطة، وذلك من خلال نظام اتحادي يكفل المشاركة الشعبية الواسعة في السلطة والثروة.
2 - مستجدات قضية صعدة:
إن تجدد الحرب العبثية المتكررة في محافظة صعدة، بجولتها السادسة الممتدة منذ منتصف أغسطس 2009 حتى 11 فبراير 2010، بعنفوانها وطول أمدها، وحجم الدمار الذي أحدثته، وارتفاع عدد الضحايا إلى آلاف القتلى والجرحى والمفقودين من المدنيين و العسكريين، ومن المشردين الذين فاق عددهم ربع مليون نازح في العراء والمخيمات ولدى الغير، ناهيكم عن المعتقلين والأسرى على ذمة الحرب لدى أطراف الحرب، قد شكلت كارثة إنسانية حقيقية لم تشهد لها المنطقة مثيلاً في الحروب السابقة، فكانت الحرب الأكثر دموية على الإطلاق، الأعلى كلفة، والأفدح ثمناً، فكانت كما سميت بـ «الأرض المحروقة»، فتم توزيع الموت والحزن على الجميع، فلا تكاد تخلو قرية أو منطقة من فقدان قريب أو عزيز أو حبيب في هذه الحرب العبثية التي دمرت أيضا الممتلكات العامة والخاصة على نطاق واسع.
وفي هذه الجولة التي استمرت فيها الحرب قرابة نصف سنة، وامتدت تداعياتها السياسية والأمنية إلى دول الإقليم، وشكلت حالة من الاستقطاب الحاد الذي أدخل المنطقة في دوامة المواجهة العسكرية وخاصة بعد إقحام المملكة العربية السعودية في الحر ب لما شكلته هذه الحرب وتجددها المستمر وبصورة موسعة في كل جولة من جولاتها، من مخاطر على الأمن في المنطقة وأمن الإقليم عموماً، وهو ماعقد الحرب سواءً من حيث شراستها وقدرتها التد ميرية أو من حيث القدرة على احتوائها، الأمر الذي يؤكد على صواب الموقف الذي التزم به حزبنا وتكتل اللقاء المشترك وكذا اللجنة التحضيرية للحوار الوطني القائم على رفض الحرب في صعدة، وعدم تأييد استمرارها بأي شكل من الأشكال، والدعوة إلى إيقافها فوراً، وبدون تلكوء وتصفية آثارها المادية والنفسية وتعويض ضحاياها، ومن ثم العمل على معالجة أسبابها في إطار حوار وطني شامل تشارك فيه كافة الأطراف المعنية بالأزمة الشاملة في اليمن بمظاهرها المختلفة، بما يؤمن حلاً وطنياً للمشكلة في محافظة
ص
عدة وامتداداتها الإقليمية والوطنية ولاسيما في محافظات عمران، وحجة، والجوف و مأرب وصنعاء، يضعها في السياق نفسه لمعالجة بقية المشكلات القائمة في البلاد.
لقد أكد الإْعلان الرسمي في 11فبراير الماضي القاضي بوقف العمليات العسكرية من جانب القوات المسلحة، والتزام الحوثيين من جانبهم بوقف القتال وإقرارا صريحاً بأن الحرب الداخلية تمثل نهجاً خاطئاً في إدارة البلد، أو في مواجهة أزماته ومشاكله، وانها تنطوي على خسائر وكوارث وطنية لا يجوز قبولها أو تبريرها.
وبدون مواربة فإن وقف العمليات العسكرية ليس سوى الخطوة الأولى على الطريق الصحيح غير انها ستفقد معناها إذا بدت كإستجابه مؤقتة للضغوط الدولية و لم تتبعها خطوات أخرى تقود إلى إقامة حالة دائمة من الأمن والاستقرار في صعدة، و البدء بإجراءات عملية لحل مشكلة النازحين، وتوفير الظروف الملائمة لعودتهم إلى قراهم ومنازلهم ومزارعهم و
وضع
برنامج عملي للتعويضات وتصفية الآثار المختلفة للحرب، وتطبيع الأوضاع ووضع حد لتلكوء الأجهزة الرسمية في إعادة تواجدها في المناطق المختلفة، وخاصة في المناطق الحدودية مع المملكة العربية السعودية لسد أية ثغرات من شأنها أن تبقي الوضع مفتوحاً للاحتكاك مع القوات السعودية، وتجدد المواجهات.
إن توقف المواجهات العسكرية في صعدة على النحو الذي هو قائم في الوقت الحالي لايزال ينطوي على احتمالات قوية بعودة الحرب، وذلك في ضوء استمرار وسائل الإعلام الرسمية في ممارسة التعبئة بمشاعر الكراهية، والحث على ممارسة العنف، وإلقاء تهم العمالة والخيانة ضد الحوثيين، وتلفيق الدعاوى الباطلة ضدهم في إطار اعتماد نهج إعلامي شامل معادٍ للسلام الأهلي، ومحرض على العنف وعلى الكراهية الوطنية والدينية، ويذهب إلى أقصى الحدود في نوع من الدعاية المبتذلة الغارقة في التلفيق والتضليل والكذب.
وبصورة
عا
مة فإن الشروط الستة المطروحة من اللجنة الأمنية العليا والموافق عليها من الحوثيين قد حققت أشبه ما يكون بهدنة هشة، لأنها لم تتضمن آليات عملية لضمان توطيد السلام، وتمنع تجدد الحرب، ولم تقدم أية معالجات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية بهدف إزالة آثار ا لحرب وتحقيق مهام إعادة البناء والأعمار، وكذا لم تضع أية توجهات حقيقية لتحقيق المصالحة بين المواطنين والقبائل، التي أقحمت في الحرب، وعدم تسوية مطالبهم، وقضايا الثأر التي تم تكريسها خلال الستة جولات من الحرب، والأخطر من ذلك أن تتخذ إجراءات رسمية من مستويات رفيعة لتحويل الحرب إلى عنف أهلي بغيض غير قابل للتوقف يستند على دعاوى الثأر والانتقام، في ظل غياب سلطة القانون، وعدم القيام بواجبات مؤسسات الدولة.
وبمقابل هذا الوضع المختل الباعث على القلق بذلت قيادة منظمة الحزب الاشتراكي اليمني في محافظة الجوف جهوداً كبيرة اثمرت في معالجة تداعيات حرب صعدة التي امتدت إلى الجوف واستطاعت تجنب المحافظة مخاطر اتساع الحرب التي تم تطويقها في ح ينه، كما استطاعت اللجنة التحضيرية للحوار الوطني أن تبدأ في بناء أسس عملية لتعزيز المسيرة السلمية في صعدة، وتهيئة الظروف للسير قدماً نحو إيجاد معالجة حقيقية ناجحة للمشكلة المتفجرة فيها، وذلك من خلال التوقيع على اتفاق مبدئي بين اللجنة المصغرة المكلفة بالحوار مع الحوثيين، ومع ممثلين قياديين عنهم، تضمن النص على:
1- دعم الجهود الرامية إلى تطبيع الأوضاع في محافظة صعدة، في إطار معالجة وطنية شاملة تكرس المصالحة الوطنية، وتزيل آثار الحروب والصراعات الدامية، والحيلولة دون تجددها وضمان كافة الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية التي كفلها الدستور لجميع المواطنين.
2- التأكيد على أهمية وضرورة الحوار الوطني كآلية حضارية لمعالجة مختلف المشكلات الوطنية، والمشاركة في فعاليات الحوار الوطني المفضي إلى مؤتمر حوار وطني شامل لايستثني أحد.
3- التأكيد على أهمية مشروع رؤية الإنقاذ الوطني الشامل كوثيقة وطنية شخصت الأزمة الوطنية بكل أبعادها ، واقترحت الحلول والمعالجات الضرورية لها.
4- التأكيد على التعدد والتنوع في إطار الوحدة، ومبدأ التسامح والقبول بالآخر، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، واحترام الحقوق والحريات العامة، بما يفضي إلى تحقيق أمن واستقرار الإنسان اليمني وحقه في حياة حرة وكريمة.
وبعد الإعلان عن الاتفاق ومباركة اللجنة التحضيرية من جهة والحوثيين من جهة أخرى للاتفاق، شنت السلطة التي تفاجئت بالاتفاق حملة إعلامية، مضللة وشرسة، ضد أحزاب اللقاء المشترك، واتهامهم بالخروج عن الدستور والقانون، والتآمر والتخريب..الخ من قاموس وبذاءات إعلام السلطة، في مشهد مرتبك ومتناقض ولا يستقيم مع المنطق وطبيعة الأمور،إذ يغفل ع
م
داً مضمون الاتفاق، الذي يمثل انجازاً سياسياً وطنياً هاماً، لأنه نص على توجهات بناءة في إيجاد حالة دائمة من ا لسلم الأهلي، وإقامة المداميك الحقيقية لبناء سلطة القانون، وإشاعة قيم التعايش والتسامح والقبول بالآخر واحترام التنوع في إطار الوحدة.
ولاشك إن الحملة الإعلامية التضليلية التي شنتها وسائل الإعلام الرسمية ضد هذا الاتفاق تتسق تماماً مع نهج الحرب كنهج ثابت للسلطة الحاكمة، وتعبر عن حالة من الدفاع البائس عن مصالح تجار الحروب، وأمراء الحرب في السلطة وخارجها، والتي من مصلحتها -كما يبدو- إبقاء ملف الحرب في صعدة مفتوحاً على مزادات جديدة داخلية وإقليمية ودولية محتملة في المستقبل، الأمر الذي يجد تفسيره في تنصل السلطة عن الوفاء بالتزاماتها، وخاصة في إطلاق المعتقلين على ذمة حرب صعدة المقدرين «بألف معتقل» وفقاً للحوثيين غالبيتهم جرى القبض عليهم بطرق مخالفة للقانون.«صدر مؤخراً إعلان رئاسي بالإفراج عنهم»
على أن هذه الحملة ظلت تستبطن احتواء الاتفاق على كافة القضايا، التي تفضح بطلان وزيف كافة الدعاوى المطروحة من جانب السلطة لتبرير شنها للحروب في صعدة، والتي تبدأ في الغالب بالتليفون وتنتهي بالتليفون.
ثانياً: مستجدات النشاط السياسي للمشترك وتبلور الكتلة التاريخية:
1
- اتفاق 23فبراير 2009، كمرجعية للتوافق السياسي والحوار اوطني:
لقد مثل اتفاق23فبراير2009 بين السلطة وحزبها من جهة وأحزاب اللقاء المشترك الممثلة بالبرلمان من جهة أخرى، والمسارات اللاحقة التي اتخذتها العلاقة بين الطرفين على خلفية الموقف من مضامين الاتفاق والالتزام بها وتنفيذها، أبرز المحددات للمستجدات السياسية التي تبلورت في الساحة السياسية خلال الفترة بين دورتي اللجنة المركزية وحتى اليوم.
فقد شكل اتفاق فبراير2009 في حينه تسوية سياسية جنب السلطة وحزبها، المغامرة غير المضمونة في خوض غمار الانتخابات البرلمانية اللاتنافسية على انفراد، كما أكسبهما الاتفاق مشروعية وطنية توافقية. للتمديد لهما لمدة سنتين إضافيتين في الحكم دون انتخابات، وذلك بمقابل قبول السلطة وحزبها بالإصلاحات السياسية والوطنية لتطوير النظام السياسي والنظام الانتخابي، بما في ذلك القائمة النسبية، إضافة إلى استكمال التعديلات التي لم يُتفق بشأنها في مشروع التعديلات القانونية، وإعادة تشكيل اللجنة العليا للانتخابات وفقاً لما ينص عليه القانون، وهي المطالب التي ظل المشترك يطرحها وترفضها السلطة وحزبها حتى عشية التوقيع على الاتفاق الذي نص عليها.
ورغم إن هذه الإصلاحات التي ظل يتمسك بها المشترك قد تضمنها الاتفاق السابق الخاص بالتوصيات الأوروبية التي أعدها مراقبو الاتحاد الأوروبي على الانتخابات الرئاسية عام2006، وتم التوقيع عليها من قبل الطرفيين المشترك والحزب الحاكم، بما في ذلك البارونة رئيسة الفريق الأوروبي، وقد تم الحوار بشأنها مطولاً إلاّ أن السلطة وحزبها تنكرا له «لاحقاً» وأعتبره مجرد خطأ وقع فيه الحاكم لإرضاء الأوروبيين عشية مؤتمر لندن للمانحين، وفي المقابل أصر المشترك على التمسك بالاتفاق باعتباره الحد الأدنى للإصلاحات الضامنة لحرية ونزاهة الانتخابات البرلمانية عام2009، والتي تم تأجيلها إلى العام2011وفقاً لاتفاق فبراير2009، لكسب الوقت الكافي لانجاز الإصلاحات الدستورية والقانونية المطلوبة، واتخاذ الإجراءات والإصلاحات الضرورية للعملية الانتخابية في الآجال الزمنية الدستورية والقانونية المحددة لها.
ونظراً لعدم توفر الإرادة السياسية لدى السلطة وحزبها لتنفيذ الاتفاق بما تضمنه من إصلاحات سياسية وانتخابية نوعية قد تحد من تزوير إرادة الناخبين ونتائج الانتخابات، والتي تراهن عليها السلطة لتحقيق غالبية كاسحة في البرلمان تضمن تمرير التعديلات الدستورية التي تؤمن تأييد احتكار السلطة. فما إن بدأت أول جولات الحوار في مارس2009 حتى فجرت السلطة المواجهات العسكرية في الضالع، ولحج، وانتشار القوات المسلحة من ثكناتها، تلا ذلك مجزرة زنجبار في أبين بحق المعتصمين سلمياً في المدينة، ثم تفجير الحرب السادسة في صعدة و التي استمرت حتى11فبراير2010، وهو ما يؤكد تعمد السلطة في افتعال الأزمات والحروب الأهلية للتسويف بالوقت وإهداره هروباً من استحقاقات الحوار الوطني، أو البدء بالإصلاحات التي تضمنها اتفاق فبراير2009، كما هو الحال في تعاملها مع الاتفاق السابق الخاص بالتوصيات الأوروبية التي ظلت تماطل بشأنها حتى مر الوقت وانقضت المدد الدستورية والقانونية للتعديلات والإصلاحات التشريعية المطلوبة، للضغط على المعارضة تحت مبرر نفاذ الوقت لإجراء الانتخابات البرلمانية المقبلة في موعدها عام2011، وفقاً لشروط السلطة، ودون
أية إصلاحات نوعية لضمان تزوير الانتخابات وإعادة إنتاج السلطة لذاتها، بمشاركة المعارضة، أو بالنزول للانتخابات على انفراد أو بمشاركة أحزابها الكرتونية المصطنعة، أو تأجيل الانتخابات، واستخدام الوقت كمبرر لتحميل المعارضة مسؤولية تأجيلها، أمام المنظمات الدولية، والدول المانحة، والداعمة للديمقراطية، كما حصل في الانتخابات السابقة 2009.
2
- الانسداد السياسي وخرق اتفاق فبراير وتعطيل الحوار:
تفويتاً لأغراض وأهداف السلطة وحزبها في تعطيل الحوار وحرصاً على اتفاق فبراير كمرجعية للتوافق والحوار الوطني، عمدت أحزاب اللقاء المشترك إلى كشف وفضح كل حيل السلطة وذرائعها أولاً بأول عبر البيانات والبلاغات الصحفية وعبر الاحتجاجات والاعتصامات الجماهيرية على مستوى الداخل، وعبر ممثلي المنظمات والبلدان الداعمة للديمقراطية المعتمدة في بلادنا، و تكرار الالتزام العلني بالاتفاق كمرجعية للحوار الوطني، ولمشروعية التوافق الوطني، هذا من ناحية، وعمدت أحزاب اللقاء المشترك من ناحية أخرى إلى التأكيد والتذكير بمضامين الاتفاق التي تضمنت معالجات سياسية شاملة لمظاهر الأزمة المتفاقمة في البلاد، ببؤرها الملتهبة في الجنوب وصعدة، والتي لن تحل إلاّ عبر حوار وطني شامل لايستثني أحد من القوى والأحزاب والأطراف المعنية بالأزمة في داخل وخارج البلاد، للوصول إلى معالجات وحلول شاملة يتحمل مسؤوليتها الجميع، كما نصت الفقرة الأولى في الاتفاق، والبدء بتهيئة الظروف والمناخات السياسية الملائمة للحوار، عبر الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين وذوي الرأي بما في ذلك المحكومين تعسفاً أمام محاكم لا دستورية، وتنفيذ النص الدستوري الخاص بحيادية الإعلام الرسمي، والكف عن تجييره لخدمة مصلحة السلطة وحزبها، وضد أحزاب المعارضة السياسية، وهو ما ظلت ولا تزال ترفضه السلطة، وتنتقي ما تريده من مضامين الاتفاق مختزلة قضاياه بالتعديلات الدستورية التي أعدتها هي سلفاً، مفصلة على مقاسها، وتشكيل اللجنة العليا للانتخابات فحسب.
ولضمان تمرير ذلك التفسير الانتقائي لمحتوى الاتفاق، وتوفير غالبية الثلثين في مجلس النواب لإقرار ما تريده عندما تقرر ذلك، أقدمت السلطة وحزبها على إجراء الانتخابات التكميلية للمقاعد الشاغرة في مجلس النواب المقدرة بـ(12) مقعد منفردة خلاف للاتفاق وخارج التوافق الوطني ومع ذلك عمدت إلى تزوير النتائج بصورة عبثية مفضوحة، وبإشراف لجنة انتخابية غير شرعية، في خرق صارخ لاتفاق فبراير2009، ومشروعية التوافق الوطني الذي مدد على أساسه عامين لمجلس النواب لإجراء الإصلاحات السياسية والانتخابية المطلوبة، الأمر الذي أدانته كتلة المشترك البرلمانية، وقاطعت جلسات المجلس احتجاجاً على ذلك، كما أدانته أحزاب المشترك، واعتبرته تقويضاً للاتفاق ولمشروعية التوافق الوطني والمؤسسات التشريعية والحكومية القائمة على أساسه، وهو ما يؤكد مجدداً إصرار السلطة على رفض الحوار الجاد، أو إجراء أية إصلاحات سياسية أو انتخابية حقيقية كما تضمنها الاتفاق، الأمر الذي عبر عنه علناً كلا من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، واعتبرا أن اتفاق فبراير2009 كان خطأً فادحاً وقع فيه المؤتمر.
وفي ذات السياق عمدت السلطة وحزبها إلى رفض أكثر من محاولة للوصول إلى آلية للحوار عملياً، وعلى العكس من ذلك يعلنون على مستوى الإعلام الموافقة على الحوار ويحملوا المشترك -زوراً وبهتاناً- إعاقة عملية الحوار، ومع ذلك أعلنت السلطة وحزبها أكثر من مرة عن وقفها للحوار مع المشترك تارة، وعن اشتراطها اصطفافاً معها ضد الحراك في الجنوب والحوثيين في صعدة تارة أخرى، وتارة تحت مبرر رفضها للحوار مع ممثلي الحراك في الجنوب، وفي ذات الوقت تعلن قبولها للحوار مع القاعدة، وأخرى برفض مسمى اللجنة التحضيرية للحوار الوطني، كما تم رفض مبادرة الأشقاء السوريين في هذا الاتجاه، ورفض مبادرة المعهد الديمقراطي، وكلا المبادرتان قبلا بهما المشترك علناً، ورفضتهما السلطة وحزبها.
ورغم كل ذلك لم ييأس المشترك فقدم العديد من المقترحات للحزب الحاكم للاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة للتهيئة والإعداد للحوار الوطني تنفيذاً للبند الأول من اتفاق فبراير2009، وقدم مقترحاً بخيارين اثنين لتشكيل اللجنة فأختار الحزب الحاكم المقترح الأول وتم المضي في التوافق على التفاصيل، وكان آخر محضر تم الاتفاق فيه على آلية التهيئة والإعداد للحوار الوطني، و الاستعداد لإصدار بلاغ صحفي بشأنه، وذلك يوم الأربعاء مطلع شهر مايو2010، و الذي تم إجهاضه في يومه من قبل قيادة المؤتمر مباشرة، باعتراضها على قضيتي المعتقلين السياسيين وحيادية الإعلام الرسمي.
3
- التحول في استراتيجية حوار المشترك تجاه بلورة كتلة
تاريخية للتغيير والاصلاح الشامل:
في حصيلة تقييم المشترك للتجارب المريرة في حواره مع السلطة وحزبها، والتنكر للاتفاقيات الموقعة بين الطرفين والتي لم تفضي أي منها إلى نتائج أو إصلاحات ملموسة، بما في ذلك تلك الموقعة بإشراف دولي بين الطرفين، الخاصة بالتوصيات الأوروبية، فالسلطة وحزبها لم يحترما يوماً اتفاقاتهما مع الآخرين، وغالباً ما يعتبر هذه الاتفاقات ليس أكثر من أخطاء وقع فيها الحزب الحاكم وليس أكثر من ذلك.
وفي ضوء ذلك عمد المشترك بعد إن وجد ذاته في وحدة أطرافه وتلاحمه وتآزره في وجه المحاولات المتكررة للسلطة لشقه أو إضعافه ومحاولة زرع بذور الشك والانقسام بين أطرافه، وبعد ان فك ارتباطه بالسلطة، وحسم أمره للالتحاق الشعب، والتحول إلى معارضة فاعلة وجادة، كطرف أساسي في المعادلة السياسية، وإحساسا بموقعه ودوره السياسي والوطني، عمد المشترك إلى تحمل مسؤوليته الوطنية ت
جاه
الشعب والوطن، الذين تجرهما السياسات الفاشلة والمأزومة للسلطة الفاسدة نحو الانهيار.
وذلك من خلال تفعيل الحوار والعمل الوطني المشترك مع الجميع، لوقف حالة الانهيار وإنقاذ البلاد من المخاطر الكارثية التي تنحو باتجاهها، كمهمة وطنية عاجلة لا تقبل التأجيل -ودون أن يغلق باب الحوار مع السلطة وحزبها نهائياً- قرر المضي قدماً في التشاور الوطني مع كافة القوى والأطراف السياسية الفاعلة في البلاد، بما في ذلك أطراف الأزمة الوطنية في الجنوب وصعدة وفي الخارج، وصولاً إلى مؤتمر التشاور الوطني المنعقد في 22مايو2009في العاصمة صنعاء والذين ضم إلى جانب أحزاب اللقاء المشترك، وحزب البعث العربي الاشتراكي الذي التحق مؤخراً بالمشترك، وكذا حزب التجمع الوحدوي، إلى جانب عدد من الهيئات والمنظمات السياسية والقوى والشخصيات الاجتماعية المختلفة، بما في ذلك رجال أعمال وعلماء ومثقفون و أكاديميو
ن
وقادة رأي، وقيادات نسويه وشبابية، وبعد مناقشات جادة ومستفيضة، للوثائق الأولية المقدمة للمؤتمر عن تشخيص الأزمة الوطنية بمظاهرها ومساراتها المختلفة، وحول المعالجات والحلول الضرورية المقترحة، والآليات والوسائل التنفيذية لها، تمخض المؤتمر ألتشاوري عن تشكيل لجنة تحضيرية للحوار الوطني، مثلت فيها كافة الفئات والقوى الاجتماعية والسياسية، وعلى مدى الأشهر الثلاثة اللاحقة تم انجاز مشروع رؤية الإنقاذ الوطني، وإقرارها وإعلانها صيف2009 في صنعاء وحضت باهتمام بالغ من جل القوى والتنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وممثلي المنظمات الدولية والدول المانحة الممثلة في بلادنا. وكذا القوى والأحزاب والتنظيمات العربية والأجنبية، وسفراء العديد من الدول العربية والإقليمية الممثلة في بلادنا. إلاّ أن السلطة وحزبها كانا الطرف الوحيد الرافض بشدة لفكرة الوثيقة من الأساس، كونها تأتي
من المعارضة السياسية في تكتل المشترك، وهذا يكفي لإدانتها، واعتبارها شيء لا يعنيها من قريب أو بعيد، كما هو الحال في التعاطي مع وثيقة الإصلاح السياسي والوطني الشامل التي أصدرها المشترك نهاية2005، واعتبرها الحزب الحاكم آنذاك انقلابا على الشرعية.
الأمر الذي لم يكن مستغرباً على السلطة، وحزبها، فالوثيقة الرؤية في الأصل موجهة للجميع دون استثناء وليست لطرف محدد بذاته، كما أنها مشروع للنقاش والحوار الواسع مع مختلف تكوينات المجتمع اليمني في الداخل والخارج.
لقد شكلت وثيقة مشروع رؤية الإنقاذ الوطني، مشروعاً سياسياً لتكوين الكتلة التاريخية الواسعة، عبر إطلاق الحوار الوطني مع الجميع ، لإيجاد توافق وطني واسع قادر على درء مخاطر الانهيار كأولوية عاجلة، ومراكمة شروط التغيير السلمي الديمقراطي المنشود. ووفقاً لمضامين الوثيقة تم تشكيل لجان حوارية متخصصة من مختلف تكوينات اللجنة التحضيرية، وتم تنظيم العديد من الندوات والمناقشات والحوارات المفتوحة مع الناس، كما حضت الوثيقة بمباركة العديد من القيادات السياسية المشردة في الخارج، وكذلك الأمر بالنسبة للعديد من قيادات الحراك السلمي في الجنوب مع بعض الملاحظات والمقترحات لتطوير وإثراء الوثيقة، كما تم على أساسها التوقيع على محضر اتفاق ضحيان مع ممثلي جماعة الحوثيين في صعدة، والإعلان عن انضمامهم إلى مكونات اللجنة التحضيرية للحوار الوطني بتاريخ: 8/4/2010، كما أتسع قوام ومكونات اللجنة التحضيرية بانضمام منظمات وتكوينات اجتماعية جديدة، عبر انضمام مجلس التضامن الوطني، والحركة الجماهيرية للعدالة والتغيير التي تأسست في تعز، كما أن الحوار الوطني لازال جارياً مع قيادات الخارج وكذا مكونات الحراك السلمي في الجنوب وهناك مؤشرات ايجابية في هذا الاتجاه، على طريق انعقاد مؤتمر الحوار الوطني الشامل.
4
- الارت
قا
ء بالنشاط الميداني للمشترك وتنوعه:
لقد شكلت الانتخابات الرئاسية التنافسية الجادة عام2006 علامة فارقة في ارتقاء الأداء السياسي للمعارضة اليمنية الممثلة في تكتل أحزاب اللقاء المشترك، وهي تنافس على أعلى منصب سياسي في البلاد ظل طوال 29عاماً محاطاً بهالة من الإجلال والقدسية وهو ما تم تخطيه بشعار التغيير والمنافسة الجادة بترشيح الفقيد فيصل بن شملان رحمه الله لمنصب الرئيس، حيث خرجت الجماهير طوعاً وبالآلاف في المهرجانات الانتخابية التي نظمها المشترك خلال الحملة الانتخابية، الأمر الذي حمل في مضمونه علامة تحول بالغة الأهمية لبوابة النضال السلمي الاحتجاجي بأشكاله المختلفة، كخطوة شديدة الأهمية لانتقال المشترك إلى معارضة حقيقية جادة وفك الارتباط بالسلطة، وتعزز هذا الموقف لاحقاً بعد أن أغلقت السلطة بوابة التغيير السلمي الديمقراطي عبر صندوق الاقتراع، والرفض القاطع لإصلاح
النظام الانتخابي وآلياته المصادرة لإرادة الناخبين وتزوير نتائج الانتخابات، وأزداد الأمر تعقيداً بالانسداد السياسي الذي وصل إليه الحوار بين المعارضة والسلطة، بعد أن استهلكت السلطة الحوار السياسي، وإبداء ممانعة غير مبررة في تنفيذ الإصلاحات السياسية والانتخابية المتضمنة في الاتفاقيات الموقعة معها بما في ذلك اتفاق فبراير 2009، الأمر الذي أقحم البلاد في أزمة سياسية إضافية، ضاعفت من تفاقم الأزمة الوطنية بمظاهرها الملتهبة في الجنوب وصعدة ومظاهرها الاقتصادية المتردية التي أنتجتها السياسات العقيمة والفاشلة للسلطة، التي طالت بتداعياتها لقمة عيش المواطنين وأمنهم وسكينتهم الاجتماعية، والحقوق و الحريات العامة، وأضحت تهدد العملية الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية برمتها، راهنة بذلك حاضر ومستقبل الشعب والوطن للمجهول.
وهو ما دفع المشترك للإقدام على خطوة جديدة متقدمة ذات دلالة بالغة الأهمية، تمثلت في الكف عن المراهنة على إمكانية إجراء إصلاحات نوعية حقيقية لدرء المخاطر الكارثية للأزمة الوطنية عبر السلطة أو الحوار معها، فكان التشاور الوطني واللجنة التحضيرية للحوار الوطني، ومشروع رؤية الإنقاذ الوطني هي الآليات العملية التي عمد إليها المشترك باتجاه بلورة الكتلة التاريخية القادرة على التغيير السلمي و حمل المشروع الوطني الديمقراطي الذي يتصدر له المشترك، و بالتوازي مع هذه الخطوة كان لابد أن يرتقي النشاط السياسي الميداني للمشترك إلى مستوى هذه التحديات، وتقديم نفسه كبديل حضاري للسلطة الفاسدة، عبر تصعيد النضال السلمي الجماهيري والاحتجاجي في مواجهة الإجراءات القمعية والتجويعية والإفقارية، ونهج الحرب والعنف الذي تمارسه السلطة بحق الحراك السلمي في الجنوب، وضحايا الحروب في صعدة والاحتجاجات المطلبية السلمية في مختلف محافظات الجمهورية،
وقد شهدت الفترة المنصرمة منذ مطلع العام الحالي2010، فعاليات ميدانية احتجاجية متصاعدة تدريجياً، بدءً بمقاطعة كتلة المشترك البرلمانية لجلسات مجلس النواب عقب خرق السلطة لاتفاق فبراير2009، ومقاطعة الانتخابات التكميلية اللا شرعية للمقاعد الشاغرة في المجلس، والتي تفرد بها الحزب الحاكم بلجنته الانتخابية غير الشرعية، وتحت إدارتها وتزويرها علناً في مسرحية هزلية ترتقي إلى مستوى الفضيحة السياسية.
ومنذ شهر مارس المنصرم نظم المشترك الاعتصامات والمسيرات والمهرجانات الحاشدة في أمانة العاصمة بحضور أمناء عموم أحزاب المشترك ورئاسة اللجنة التحضيرية وفي مختلف محافظات الجمهورية، فكانت فعاليات مارس تضامنية مع ضحايا القمع والحصار العسكري في المحافظات الجنوبية ولاسيما مع محافظتي الضالع ولحج، وجاءت الفعاليات التي شهدها شهر إبريل تحت شعار فعاليات شهر الغضب، ضد التجويع والإفقار والجرع
السعرية والقمع والعنف والاعتقالات ومصادرة الحقوق والحريات الصحفية والعامة، وتم تخصيص فعاليات شهر مايو2010للتلاحم الوطني، في سياق الهدف الاستراتيجي العام للتغيير السلمي الديمقراطي، والحل العادل للقضية الجنوبية وقضية صعدة على طريق الإنقاذ الوطني، والبناء والإصلاح السياسي والوطني الشامل
ثالثاً: أهم المستجدات في قضايا الحقوق والحريات العامة:
شهدت الفترة مابين دورتي اللجنة المركزية مايو2009-مايو2010 أسواء مشاهد الانتهاك للحقوق والحريات العامة وأكثرها بشاعة من ناحية كما شهدت من ناحية أخرى أكثر مشاهد التلاحم والتآزر الوطني في المقاومة والتصدي لمختلف مظاهر القمع والانتهاكات عبر مختلف أشكال التضامن السياسية-السلمية والديمقراطية على مستوى الداخل والخارج أيضا.
إن مظاهر القمع والعنف والانتهاك للحقوق والحريات العامة -(ناهيكم عن نهج القمع والعنف للحراك في الجنوب، ونهج
الحرب في صعدة،)- وعلى وجه الخصوص الحريات الصحفية وحرية التعبير عن الرأي قد تمثلت بالأشكال التالية:
1- بالتوازي مع أحداث العنف والحروب الأهلية التي تشنها السلطة ضد الحراك الجنوبي السلمي، والحوثيين في محافظة صعدة، عمدت السلطة وأجهزتها الإدارية والأمنية والعسكرية، والقضائية -الاستثنائية- إلى شن حرب موازية على الصحافة والصحفيين على خلفية تغطيتهم لما يجري في الجنوب، أو في الحرب العبثية في صعدة أو على خلفية نقد السلطة أو ما يسمى «بإهانة رئيس الجمهورية» واتخذت هذه الحرب الأشكال التالية:
أ- الإغلاق الجماعي للصحف الأهلية وبقرار سياسي مخالف للدستور، طال (8) صحف أهلية ومستقلة كالأيام، والنداء، والمستقلة، والوطني، والمصدر، وغيرها، كما تعرضت الصحف الأخرى للتوقيف والمحاكمة والمصادرة بين الحين والأخر، كما هو الحال مع صحيفة حديث المدينة، والشارع، والوحدوي والنداء و الثوري بلغت إجمالي هذه الصحف خلال عام2009 أكثر من (20) صحيفة. إضافة إلى المواقع الالكترونية كالاشتراكي نت، والوحدوي نت، ونيوز يمن، وحجب العديد من المواقع التي تغطي أحداث الجنوب وأحداث الحرب في صعدة، ووصل الأمر حد الهوس لدى السلطة في محاولاتها البائسة لحجب الحقيقة عن الناس، بالاقتحام المباشر لمكتب قناة الجزيرة ومصادرة جهاز البث الخاص بها، خلال شهر إبريل المنصرم دون اكتراث بحجم ودور ومهنية هذه القناة التي يشاهدها الملايين على مستوى العالم، والذي تم إعادته لاحقاً.
ب- ممارسة السلطة للاختطاف والإخفاء ألقسري، وضرب وتهديد الصحفيين وترهيبهم، ومحاكمتهم وسجنهم، أمام محاكم غير دستورية وبأحكام سياسية تعسفية فكان الأخ/ محمد محمد المقالح عضو اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني رئيس موقع الاشتراكي نت، ابرز ضحايا عنف السلطة للصحفيين للعام المنصرم، حيث تم اختطافه، وإخفائه قسرا،
و
هي جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم كما تعرض مرتين للإعدام الوهمي، وظل مخفياً لدى السلطة طوال (4) أشهر، بذريعة تغطيته الإعلامية للأحداث في صعدة، وظل يحاكم في محاكم غير دستورية « أمن الدولة»، بدعاوى متقادمة قد تم إسقاطها أصلا في عملية غسل لجرائم الاختطاف والإخفاء ألقسري والتعذيب التي ارتكبتها السلطة بحق المقالح، وقد حضت قضيته بتعاطف وتضامن شعبي واسع كما كانت محط استنكار واستهجان المنظمات الحقوقية والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وعلى مستوى المجتمع الدولي أيضا حتى صدور القرار الرئاسي بوقف كل المحاكمات وإغلاق كل القضايا المرفوعة ضده.
كما طالت الإجراءات القمعية للسلطة العديد من الصحفيين أبرزهم رئيس تحرير صحيفة الأيام المصادرة هشام باشراحيل الذي تم قصف منزله «مقر الصحيفة» واقتحامه عسكرياً واعتقال من فيه بمن فيهم نجليه وعدد من المتضامنين معه من أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني، كما طال الاعتقال العشرات من الصحفيين وذوي الرأي، الذين تمت محاكمتهم أمام محاكم غير دستورية شكلت خصيصاً لتطال طابوراً من الصحفيين المستهدفين في لوائح السلطة وصدرت بحقهم أحكام تعسفية قضت بسجن العديد منهم أو منعهم من الكتابة لمدد مختلفة و صل بعضها إلى المنع عن الكتابة مدى الحياة، ولا يزال عدد من رؤساء تحرير الصحف الأهلية ومحرريها قيد المحاكمات التعسفية كما هو الحال مع صحيفة النداء وحديث المدينة، وغيرها.((صدر مؤخراً قراررئاسي بالإفراج عن الجميع ووقف محاكماتهم))
وقد انعكست الممارسات القمعية التي طالت الصحف والصحفيين خلال العام المنصرم صورة قاتمة عن سمعة اليمن على مستوى العالم.
2- التضييق والتجريم للأشكال المختلفة للتعبير عن الرأي المكفولة دستورياً، كالمظاهرات والمسيرات والاعتصامات الاحتجاجية الواسعة، ومواجهة المنخرطين فيها في معظم الأحوال بالقمع والعنف والاعتقال، والقتل في بعض الأحيان.
3- استصدار المزيد من التشريعات المجرمة للاحتجاجات المطلبية، ومختلف أشكال التعبير عن الرأي، ورفع سقف العقوبات بشأنها، كما تضمن المزيد من التضييق على الحقوق والحريات العامة المهددة بتصفية ما تبقى من هامش للديمقراطية والحريات العامة، كما هو الحال في «مشرع التعديلات لقانون الجرائم والعقوبات»، و«مشروع قانون العلم الوطني البديل» الذي أسقطه البرلمان. وفي «مشروع قانون الصحافة»و«مشروع قانون الصحافة المرئية والمسموعة» وكلها مشاريع تسعى إلى تكميم الأفواه، وخفض سقف هامش الديمقراطية والحريات العامة لاستكمال مشروع السلطة البوليسية الاستبدادية القائمة في البلاد.
4- لقد طالت الإجراءات البوليسية القمعية بالترهيب والتهديد المباشر لحياة القيادات العليا للمعارضة السياسية في البلاد، جرت تفاصيلها في العاصمة صنعاء كما حصل في الأحداث التي تعرض لها الصف القيادي الأول وا لثاني للمشترك، كان أهمها: إطلاق النار الذي تعرض له سيارة /د.عبد الوهاب محمود الأمين العام القطري لحزب البعث الاشتراكي رئيس المجلس الأعلى لأحزاب اللقاء المشترك في 25 ابريل المنصرم والحادث الذي تعرض له الأخ/ نائف القانص الناطق الرسمي رئيس الهيئة التنفيذية للمشترك/سابقاً، بالإضافة إلى الإجراءات الاستفزازية والتهديدات بالتصفية التي تعرضت لها الناشطة الحقوقية توكل كرمان، وإطلاق النار الذي تعرض له مؤخراً نائب رئيس الكتلة البرلمانية للإصلاح زيد الشامي في العاصمة صنعاء.
5- استمرار ممارسة الأجهزة العسكرية والأمنية للسلطة والمتنفذين فيها للاضطهاد وممارسة الظلم وأساليب القمع والإكراه المستحضرة من مراحل التخلف والعبودية في عهود ما قبل الثورة كما هو الحال في التهجير الإجباري الجماعي للفلاحين في منطقة
الجعاشن على سبيل المثال.
و تعتبر ظاهرة الرهائن التي لا تزال تستخدمها الأجهزة العسكرية والأمنية للسلطة وبصورة رسمية أحد المظاهر الأشد انتهاكاً للحقوق والحريات العامة، وهي ظاهرة مستحضرة من مرحلة ما قبل الثورة في فترة الحكم ألإمامي، وتم استمرار العمل بها في الشمال، ثم عممت حالياً على المحافظات الجنوبية.
كما شهدت السنة المنصرمة أكثر حالات الاختطاف للأفراد، والشخصيات الاعتبارية، وللأطفال، والمستثمرين، وللضباط والجنود، بالإضافة إلى الأجانب، فكانت حادثة اختطاف الأطباء الأجانب في مستشفى صعدة ومقتل البعض منهم من أكثر الحالات استفزازاً لمشاعر الرأي العام المحلي والأجنبي، ولا تزال قيادة اللجنة الأمنية والعسكرية في السلطة تتخبط في تصريحاتها المتناقضة عن مصيرهم حتى الآن عاجزة عن تحديد مصير بقية المختطفين الألمان، في مظهر أكثر حضوراً لعجز وفشل السلطة من ناحية وتفشي ظاهرة الانتهاكات المنفلتة لحقوق الإنسان من ناحية أخرى.
6- تفاقم مظاهر العجز الرسمي عن الوفاء بالحقوق القانونية والدستورية لمختلف الفئات والشرائح الاجتماعية، وعلى وجه الخصوص الحق في زيادة الأجور والمرتبات وفقاً لنسبة ارتفاع الأسعار، واستكمالاً للمراحل الثالثة والرابعة لإستراتيجية الأجور والمرتبات، كحق قانوني، يتعلق مباشرة بالحياة المعيشية التي تزداد فقراً وبؤساً يوماً عن يوم.
كما لا تزال السلطة أكثر عجزاً في توفير فرص العمل للشباب العاطلين عن العمل التي تتجاوز نسبتهم 51% من إجمالي قوة العمل في هذه المرحلة العمرية، وفي ذات السياق لا تزال السلطة تمارس التمييز ضد المرأة وتنتقص من حقوقها الدستورية ولا تزال تستصدر التشريعات المكرسة لامتهان المرأة أو مصادرة حقوقها الإنسانية في الطفولة الآمنة، وفي الزواج الآمن، فيما يدور من صراخ صاخب بشأن تكريس زواج الصغيرات وغيرها من التعديلات القانونية المفتعلة لخلق أزمات ومعارك جانبية، والتي تم إيصالها إلى مجلس النواب مؤخراً بشأن ما يسمى بالاختلاء أو الزواج بالأجانب..الخ.
إن المشهد القاتم للانتهاكات الصارخة للحقوق والحريات الصحفية والعامة الذي طال تقريباً جُل الفئات والشرائح الاجتماعية خارج النخبة الفاسدة المتنفذة المحتكرة للسلطة والثروة قد أنتج في المقابل مقاومة شعبية سلمية احتجاجية، مطلبية في طابعها العام شاركت فيها مختلف القطاعات الشعبية(رجال، نساء شباب، وطلاب)، ومختلف الفئات والقطاعات المهنية (العمال، الفلاحين، الأطباء، المعلمين، وأساتذة وطلاب الجامعات والعاطلين عن العمل، وموظفي الدولة والمهمشين، بما في ذلك الجنود والعسكريين..الخ) وشكل الإضراب التدريجي العام الذي دعت إليه النقابات العمالية على مستوى الجمهورية تحولاً حقيقياً في مسار النضالات العمالية التي كانت قد انحسرت خلال السنوات المنصر
مة
، لتعيد من جديد الاعتبار للنضالات العمالية اليمنية، إذا ما تواصلت ودخلت مرحلة الإضراب الشامل كما هو مخطط له وانتزاع الحقوق المشروع التي رفعها في المرحلة الراهنة الأشد وطأة على الحياة المعيشية لعمال الجمهورية.
كما شاركت فيها وأسهمت في تنظيمها الفعاليات السياسية المختلفة في المعارضة السياسية ولاسيما «تكتل اللقاء المشرك»، و كذا منظمات المجتمع المدني، من منظمات نسويه وصحفية وحقوقية متعددة، في مختلف محافظات الجمهورية. وكانت ساحة الحرية والاعتصامات التي تنظمها صحفيات بلا قيود أمام مقر الحكومة في صنعاء من أكثر الفعاليات الاجتماعية في استمراريتها، وتنوع وتعدد فعالياتها التضامنية التي استقطبت ذوي المظالم من مختلف أرجاء البلاد.
وفي ذات السياق شكل نزول المشترك إلى الشارع وفقاً لبرنامج تصعيدي متواصل منذ مارس المنصرم تحولاً حقيقياً في مسار الفعاليات الاحتجاجية السلمية
بما أضفته من فاعلية وحركية على الحياة الاجتماعية والسياسية في البلاد، و التي ستشكل في استمراريتها وتصاعدها واستقطابها للمزيد من القوى الشابة والفاعلة من أبناء الشعب إلى ساحة الفعل السياسي النشط خطوات تراكمية بالغة الأهمية لبلورة الكتلة التاريخية الواسعة القادرة على تجذير وتعميق مجرى النضال السلمي المتواصل باتجاه انجاز المهام والأهداف المرسومة لمشروع التغيير والإنقاذ الوطني والإصلاح السياسي والوطني الشامل.
رابعاً: مستجدات المشهد الاقتصادي - الاجتماعي:
تكشف المؤشرات الاقتصادية والبيانات الحقيقية للتفاصيل المستجدة في المشهد الاقتصادي- الاجتماعي خلال عام2009، وبصورة مكثفة شديدة الوضوح عن عمق الاختلالات البنيوية-الاقتصادية المزمنة في الاقتصاد الوطني، والتشوهات المستحكمة في التكوينات الاقتصادية-الاجتماعية القائمة، التي أنتجتها السياسات والإجراءات الفردية المزاجية التي تدار بها البلد، بدون معايير أو ضوابط قانونية على مدى أكثر من (31) عاماً، محكومة في مضامينها بالأزمة البنيوية المركبة في النظام السياسي المعطوب بالآليات والأدوات التقليدية العقيمة، والصدئة، المثقل بها تكريساً لإرادة الحكم المسكون بوهم قدسية الحاكم
<<
المالك للرعية>>، الأمر الذي بات يتناقض موضوعياً مع متغيرات الحياة المتسارعة المحكومة بمعطيات العصر و إيقاعاته سريعة التغير، فباتت كابحاً لنموه وتطوره اللاحق.
1
- عجز السلطة وعد م أهليتها وارتهانها للخارج:
إن عجز السلطة وفشلها وعدم أهليتها ينعكس بوضوح في حالة الركود والتردي الاقتصادي، المجسد في اشد مظاهره سفوراً في العجز والشلل الرسمي المريع في التعاطي مع الأموال المرصودة لليمن لتمويل المشاريع من قبل المانحين في مؤتمر لندن عام2006. حيث، عجزت السلطة عن الاستفادة منها، وفقاً لتقرير البنك الدولي الصادر مطلع عام2010،
فلم
تنفق منها سوى (548)مليون دولار أي أقل من 10% من إجمالي مبلغ التعهدات بحلول نهاية العام2009. حارمة اليمن من عشرات بل مئات المشاريع الاستثمارية بهذه الشروط الميسرة حيث إن55% من هذه التعهدات على شكل منح والباقي على شكل قروض ميسرة.
إن هذه الواقعة التي تكشف زيف ما تدعيه السلطة عند محاولتها إنكار الأزمة السياسية المتفاقمة في البلاد، ومحاولة إرجاعها إلى مجرد أزمة موارد أو أزمة اقتصادية فحسب، كما تكشف بدلالاتها البالغة عمق المعضلة اليمنية الكامنة في تخشب دواليب الحركة المفصلية في بنية النظام السياسي القائم وشلله التام وعجزه عن التماهي مع معطيات العصر ومتغيراته، وإدارة أزماته بحلول ومعالجات عصرية غير تقليدية.
كما يتأكد عدم أهلية السلطة القائمة في فشلها وعجزها عن إدارة البلاد والحفاظ على سيادتها واستقلال قرارها السياسي الاقتصادي، وفي تخبطها وفقدانها للرؤية السياسية ا
ل
إستراتيجية- المستجيبة للمتطلبات الاقتصادية والاجتماعية الملحة- العاجلة منها وتلك الآجلة، الأمر الذي دفع بها إلى الارتماء في أحضان صندوق النقد الدولي، والمجتمع الدولي والدول المانحة لإنقاذها من حافة الانهيار التي قادت إليها الشعب والوطن.
ففي الوقت الذي تخفي فيه السلطة حساباتها عن الشعب، وتتستر عن البيانات الحقيقية لإيراداتها ونفقاتها، وبالذات ما يتعلق بالقطاعات النفطية ومعدلات النمو الحقيقية، ومؤشرات الفقر والبطالة، وما يتعلق بالنفقات والحسابات الحقيقية للجهات العليا والمؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية، والمؤسسات الحكومية الإيرادية والشركات العامة والخاصة المرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالنخبة الحاكمة والأبناء والمقربين. فإن ما يتم نشره في الغالب من تقارير ومؤشرات نمو أو بيانات اقتصادية في هذا الصدد، تعوزها الدقة والمصداقية، ومع ذلك فما لم تقله هذه السلطة لشعبها تقوله للخارج بكل شفافية، فمثل هذه الأنظمة لا تستطيع إلاّ أن تخدع شعوبها إلى حين.
2
- خداع وتدليس الداخل ومكاشفة الخارج:
سيراً على عادتها في المناسبات الاحتفالية الديكورية، التي أفقدتها مضامينها ومعانيها الوطنية النبيلة، من خلال تحويلها إلى مناسبات للتعريض بالمعارضة السياسية ومحاولة تشويهها من ناحية، وتضليل الشعب والرأي العام من ناحية أخرى، وهو ما يتنافس عليه رموز السلطة هذه الأيام في هجاء المعارضة وتوزيع الوهم وتضليل الرأي العام المحلي بمنجزات وهمية لا أساس لها في الواقع، وخصصت لها إلى جانب وسائل الإعلام الرسمية، قنوات فضائية خاصة ببث الكراهية ضد الآخر، كما هو الحال فيما يسمى قناة سبأ الفضائية الممولة من المال العام والمكرسة لمهاجمة المعارضة السياسية، والحزب الاشتراكي اليمني بوجه خاص، وبصورة عدائية فجة، في تلفيقها للأكاذيب وتزييف الواقع، وإعادة نبش ال
ماضي
وبصورة انتقائية في الجنوب دون الشمال، وانتقاء أحداث بعينها وتضخيمها بقصد تشويه تاريخ الجنوب وتجربته قبل الوحدة، للتغطية على عجز وفشل السلطة القائمة وعلى الأزمات المهددة لحاضر ومستقبل الشعب والوطن التي أنتجتها سياساتها الفاشلة، في عملية ممنهجة لخداع الناس وامتصاص سخطهم، ولاسيما مع اقتراب المناسبات الوطنية، والاستحقاقات الانتخابية، وفي ذات الوقت يحاولون جاهدين إخفاء الحقائق المرة للواقع المعيشي البائس، وعلى العكس من ذلك يتعاطون بشفافية عالية مع الخارج، لأنهم يدركون استحالة خداع الخارج أكثر من مرة.
ففي مؤتمر لندن المنعقد مطلع هذا العام حول اليمن بدعوة من بريطانيا، كشف رئيس الحكومة د. علي محمد مجور في جلسة سرية أمام المانحين اعترافه بالفشل، متحدثاً عن «مؤشرات مروعة» للأوضاع المأساوية التي تمر بها اليمن، مدللا بأن تحليل الوضع الراهن لمؤشرات التنمية الألفية، وتدني نسبة الإنفاق على مشاريع التنمية الألفية المقدرة بـ8% فقط، تجعل اليمن مصنفاً خارج المسار للوصول إلى تحقيق أهداف الألفية بحول عام2015، مطالباً المانحين بمبلغ (40) مليار دولار لتنفيذ برنامج تأهيلي لعشر سنوات لتجاوز التحديات القائمة حتى عام2015.
وفي ذات السياق اعترف رئيس مجلس الوزراء أمام المانحين بالعجز الكبير في موازنة الحكومة وعدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، وتفادي حالة الانهيار الاقتصادي المحتملة، وحدد للمانحين بأن عجز الموازنة يتطلب (2,6) مليار دولار سنوياً للسيطرة على عجز الموازنة في الحدود الآمنة، وتعزيز قدرات الدولة على تقديم الخدمات وهو ما لم يعره المانحون أي اهتمام فتم ترحيله إلى اجتماع الرياض حيث قدمت السعودية مليار دولار والإمارات ستمائة مليون دولار نقدا لدعم عجز الموازنة لهذا العام لتفادي الانهيار الاقتصادي المتوقع في اليمن.
كما كشف رئيس مجلس الوزراء عن تفاقم حدة الأمن الغذائي في البلاد وإن 32% من السكان جوعى يواجهون انعدام الأمن الغذائي كما بين بأن اليمن هي الدولة الأشد فقراً في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا، فحوالي نصف السكان يحصلون على أقل من دولارين في اليوم عام2008، وترتفع نسبة البطالة إلى أرقام مخيفة في اليمن ولاسيما بين الشباب، حيث وصلت في الفئة العمرية (15-25 سنه) إلى نسبة53%، وبين الفئات العمرية (25-59سنه) وصلت إلى نسبة(44%) مترافقة مع تدهور مستوى التعليم والخدمات الصحية، حيث يصل عدد الأطفال في سن التعليم الأساسي خارج المدرسة إلي (35%)، كما أن طفلاً في كل عشرة أطفال في اليمن هم ضحية سوء التغذية. وفي ذات الصدد تشير تقارير دولية أخرى كبرنامج التغذية العالمي إلى أن (7,2) مليون أي ثلث السكان يعانون من جوع دائم، ولا يجدون ما يأكلون، الأمر الذي يفسر لجوء العديد من الأسر الفقيرة إلى بيع جزءاً منها لتتمكن من البقاء على قيد الحياة، كما هو الحال في ظاهرة الاتجار بالأعضاء البشرية التي انتشرت، واتسع نطاقها مؤخراً، وظاهرة بيع الأطفال وتهريبهم إلى بلدان الجوار، حيث بلغ معدل التهريب قرابة عشرة أطفال يهربون إلى السعودية يومياً، وفقاً لتقديرات الشؤون الاجتماعية السعودية، مع انتشار مظاهر العنف الاجتماعي وأعمال القتل والجريمة والتفكك الأسري، وارتفاع معدلات الانتحار وغيرها من المظاهر المأساوية والبؤس والعوز التي يعيشها الغالبية العظمى من السكان، وتحذر الأمم المتحدة من المخاطر الكارثية الناجمة عن تردي الأوضاع المعيشية في البلاد مؤكدة أنه لم يعد أمام اليمنيين إلاّ «الثورة، أو الهجرة، أو الموت».
إنها الكلمات الثلاث الأشد وطأة على النفس، عندها تتلخص حجم مأساة اليمنيين بعد أكثر من نصف قرن من الزمن مليء بالتضحيات والأحلام بمستقبل أفضل، ليكتشفوا بعد كل ذلك وبفعل الس
يا
سات العبثية للسلطة القائمة إنهم قابضون على الوهم عند نقطة الصفر مجدداً بعد إن سرقت هذه السلطة الفاسدة، نصف قرن من الزمن المفقود.
3
- تفاقم ظاهرة الفساد ونهب المال العام:
إن المؤشرات المستقبلية التي تكشف عنها السياسات الاقتصادية الفاشلة للسلطة تنذر بالمزيد من الجوع والبؤس والعوز فلا ضوء في نهاية النفق، ولاسيما مع غياب الاستثمار وهروب رؤوس الأموال من اليمن، وسيادة البيئة الطاردة للتنمية، حيث تبلغ استثمارات اليمنيين في الخارج حوالي (32) مليار دولار، بينما يقتصر ما يستثمر في اليمن على (6) مليار دولار فقط. فالفساد والإفساد، ونهب الأراضي والمال العام وانتشار الرشوة والمحسوبية والتي أضحت سياسة رسمية لرموز الفساد المتنفذين المحتكرين للسلطة والثروة تستنزف أولاً بأول الموارد المتاحة في البلاد من أبرز مؤشراتها وفقا للتقارير الدولية والوطنية، والدراسات الأكاديمية المحلية
،
ما يلي:
1- احتلال اليمن في قائمة مؤشرات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية المركز(154) من جملة (180) دولة العام المنصرم.
2- تصاعد المبالغ المفقودة بسبب التهرب الضريبي إلى (واحد تريليون ريال)سنوياً.
3- غموض العقود الحكومية الممنوحة في الصناعات النفطية، فالاتفاقيات تمنح كمكافآت سياسية لشخصيات مهمة أو لأبنا كبار المتنفذين، بلغت تقديراتها حوالي مليار دولار وتسمى نفط الكلفة، وهي من أسواء أنواع الفساد.
4- تفقد اليمن سنوياً حوالي (3) مليارات دولار، في صفقة بيع الغاز المسال المشبوهة.
5- تصل عدد المؤسسات والشركات الحكومية التي لا تحصل على أرباحها حوالي (75) شركة، كانت تمون الخزينة العامة بنحو 20% في الثمانيات.
وإضافة إلى ما سبق فإن صفقات الفساد تطال القطاعات المنتجة والواعدة كما هو الحال المنطقة الحرة في عدن ، وقطاع الأسماك والسياحة والتعدين والاعتمادات الإضافية السنوية التي يلتهما الفساد الحاكم، والتي وصلت عام2008 إلى حوالي (800) مليار ريال، وبما يعادل نصف الميزانية العامة للدولة.الخ.
6- تستأثر الحروب الأهلية السنوية والمتقطعة التي تديرها السلطة ضد خصومها السياسيين، بموارد وطنية هائلة، تذهب عبثاً دون مساءلة، في حروب لا ضرورة لها، تصل كلفتها إلى مليارات الدولارات، كما تمتص صفقات السلاح، وتجار وأمراء الحروب مبالغ مالية طائلة ترهق الموازنة العامة للدولة، وعلى حساب التنمية ومشاريعها، وتصل نسب الفساد إلى أعلى مستوياتها في مثل هذه الصفقات.
7- تنتشر المحسوبية في الوظيفة العامة للدولة فأقارب النخبة تحظى بامتيازات غير عادلة فيما يخص التوظيف وتوريث الوظيفة، وفي القوات المسلحة والأمن مثلاً، حيث عمدت النخبة الحاكمة إلى احتكار السيطرة على المواقع والمناصب العسكرية والأمنية العليا وتوريثها، كما يرث الأبناء والأخوة ما يعتبروه مقاعد عائلية في البرلمان و كذلك الحال فيما يتعلق بالوظائف الإيرادية والعامة في الجهاز الإداري -المدني للدولة.
4
- السياسات الافقارية «الجرع والجبايات»:.
لقد شهدت الأشهر القليلة المنصرمة حملة منظمة ومتصاعدة وتدريجية من الإجراءات السعرية والجبايات الرسمية الجديدة، التي تمعن بالمزيد من إفقار وتجويع الشعب على شكل سلسلة متتالية من الجرع السعرية المتصاعدة في أسعار المشتقات النفطية المختلفة، التي ما انفكت السلطة تتوعد بتنفيذها على دفعات طوال هذا العام 2010، وفي أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، وفي أسعار الخدمات العامة، تنوعت بحجمها وأساليب فرضها خلافاً للدستور والقوانين النافذة على مستوى السلطات المركزية أو المحلية من أهمها:
1- الجرع السعرية المتتالية في المشتقات النفطية بلغت حتى الآن (6) جرع سعرية على النحو التالي:
أ- في مطلع فبراير إقرار جرعة سعرية على البنزين و الد
ي
زل بواقع (100)ريال على كل (20) لتر نسبة 8,3% للبنزين و14% في الديزل.
ب- في ذات الشهر فبراير المنصرم أقرت جرعة أخرى في مادة الغاز بواقع (100) ريال على الأسطوانة الواحدة.
جـ- في مارس المنصرم تم فرض رسوم إضافية مخالفة للدستور والقانون على (71) سلعة معظمها مواد غذائية وبنسبة تصل إلى15%.
د- في إبريل جرعة جديدة ثانية على مادة الغاز بواقع (100) ريال على الأسطوانة الواحدة.
هـ- في 3مايو الجاري أقرت جرعة جديدة استهدفت زيادة في أسعار البنزين بواقع (100) ريال على كل (20) لتر وزيادة أسعار الكيروسين بواقع (45) ريال للتر الواحد.
و- في 11مايو الجاري أقرت جرعة جديدة ثالثة على مادة الغاز بواقع (200) ريال على ألأسطوانة الواحدة
2- تدهور سعر العملة الوطنية بسبب طباعة كميات كبيرة من العملة بواقع10% خلال الأشهر الثلاثة المنصرمة، وانعكس ذلك سلباً على أسعار المواد الاستهلاكية المستوردة فارتفع أسعار معظم هذه السلع. ففي الوقت الذي ينخفض فيه سعر الدولار أمام العملات الأجنبية على مستوى العالم، نجده يرتفع سعره أمام العملة الوطنية «الريال» هنا في اليمن في مقارنة بائسة تعكس فشل السياسات النقدية والمالية للسلطة وهشاشة الاقتصاد الوطني.
3- رفع سعر الفائدة على الودائع المالية إلى أعلى مستوى لها بواقع 25% رغم المحاذير العالمية التي تنتاب بنوك العالم في هذا الصدد ورغم الأضرار السلبية لهذه السياسات والإجراءات الخاطئة والمتفاقمة وانعكاساتها السلبية على الاستثمار، وعلى ارتفاع أسعار بعض السلع والخدمات في السوق.
4- ارتفاع حجم المديونية الداخلية والخارجية بحيث غدت عبء على الاقتصاد الوطني، ورغم ذلك لا تزال تنشط سياسة الاقتراض الداخلية والخارجية ومن الصناديق والدول المانحة تذهب في مجملها في خدمة الفساد الحاكم دون أن ينعكس أثرها ايجابياً على الأوضاع الاقتص
اد
ية والمعيشية المتردية للناس، الأمر الذي يضع مستقبل الاقتصاد الوطني والأجيال القادمة أمام عبء ضخم من المديونية وخدماتها المتفاقمة، حيث بلغت مديونية كل مواطن في اليمن اليوم حوالي (300) دولار للخارج.
5
- جدلية السياسة والاقتصاد و أشكال تجلياتها في بلادنا:
يكاد من البديهي التأكيد هنا على جدلية العلاقة بين السياسة والاقتصاد مع التسليم بأهمية وأولوية خدمة السياسة للاقتصاد وليس العكس، الأمر الذي يتجسد بصورة مكثفة في المقولة الشائعة «السياسة هي اقتصاد مكثف» وفي هذا الصدد تحرص الدول المتقدمة في الغالب في توظيف السياسة والقرار السياسي وعلاقاتها السياسية مع الآخرين في خدمة اقتصادياتها ومصالحها الاقتصادية وتحسين معيشة شعوبها ورفاهيتها إلاّ في البلدان المتخلفة كما الحال في بلادنا، حيث تنقلب المعادلة رأساً على عقب، حيث السياسي عالة على الاقتصادي، ويتم توظيف الاقتصاد لصالح السياسة، وغالباً ما يتخذ القرار السياسي بصورة ارتجالية وانفعالية، دون دراسة لأبعاده الاقتصادية وتأثيره على الاقتصاد الوطني، فالسلطة لا تملك رؤية سياسية واقتصادية إستراتيجية، لما تريد أن تكون في المستقبل ولا تقود البلاد وفقاً لأهداف إستراتيجية محددة سلفاً، ولا تهتم كثيراً بالأوضاع الاقتصادية والمعيشية للناس إلاّ في حدود خدمتها لمصالحها السياسية في البقاء في السلطة واحتكارها وتوريثها، وفي سبيل هذا الهدف توظف كل ما هو متاح من إمكانيات أو طاقات أو علاقات سياسية أو اجتماعية.
وفي هذا السياق نجدها لا تهتم كثيراً في إحداث تنمية اقتصادية واجتماعية أو بشرية في البلاد، بل وتفشل فشلاً ذريعاً في إنفاق مليارات الدولارات المرصودة للمشاريع التنموية والاستثمارية المقرة في مؤتمر لندن للمانحين عام2006، في الوقت الذي حاولت المستحيل آنذاك وحتى الآن لاستلام التعهدات الدولية بصورة نقدية مباشرة، لإنفاقها على طريقتها وهو ما لم يتاح لها بعد إن فقدت ثقة المانحين لها وبمصداقيتها في توظيف الأموال في المجالات المخصصة لها. ولذلك ورغم الحاجة الماسة لأي مشروع استثماري في البلاد، لم ينفذ سوى7% من هذه التعهدات حتى عام2009.
وفي مشهد مناقض عمدت السلطة مجدداً إلى طلب أموال مباشرة من المانحين في مؤتمر لندن المنعقد في شهر يناير المنصرم بمبلغ يقدر بـ(2,6)مليار دولار بذريعة تغطية عجز الموازنة، كما طلبت مبلغ (40) مليار دولار بذريعة تحقيق أهداف التنمية الألفية، وهو ما لم يحض باهتمام المانحين، وتم الاكتفاء بتقديم (1,6)مليار دولار في اجتماع الرياض من قبل السعودية و الإمارات، لسد عجز الموازنة العام الجاري وتفادي حالة الانهيار الاقتصادي، الذي سيطال بآثاره السلبية بلدان الجوار.
وفي ذات السياق جاءت سلسلة الإجراءات التي شهدتها الأشهر الأولى للعام الجاري باتجاه جباية المزيد من الأموال عبر الرسوم والجرع السعرية المتتالية المخالفة للدستور، والتي تستهدف المشتقات النفطية المختلفة على شكل دفعات متواصلة على مدار العام، بالإضافة إلى المواد والسلع الاستهلاكية والغذائية والخدمات العامة التي ترتبط بالحياة المعيشية للمواطنين، وفي ذات الوقت تم إقرار وقف المنح العلاجية المقدمة للمواطنين، بحجة التقشف في الوقت الذي يتم فيه تجنيب هذه الأموال المرصودة أصلاً في الموازنة العامة لعام2010 في حسابات وصناديق خاصة في معظم أجهزة الدولة الرسمية في توجه واضح لتوفير التمويل اللازم للإنفاق على الانتخابات المقبلة في شراء الذمم وإفساد الحياة السياسة والانتخابية لضمان تزوير نتائج الانتخابات لصالح بقاء احتكار السلطة عبر التمديد ومن ثم التوريث للحكم، هذا من ناحية ولضمان نفقات مواجهة القوى السياسية المعارضة الممارسة لحقها الدستوري في الاحتجاج السلمي وشراء الم
ع
دات والآليات والأدوات اللازمة لقمعها والتنكيل بها من جانب آخر. وذلك على حساب إيقاف التنمية والمشاريع الاستثمارية وعلى حساب الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة للناس والمنذرة بمجاعة محققة، بعد أن فشلت السلطة في ضمان الغذاء الضروري للجوعى الذين يتصاعد عددهم إلى ثلث السكان، وفقاً للتقارير الدولية.
لقد أنتجت السياسات والإجراءات الاقتصادية و ألافقارية المنحازة لصالح القلة الفاسدة المتخمة من كبار المتنفذين في السلطة والثروة، وعلى حساب الغالبية العظمى من السكان الذين يعانون الفقر والجوع والبؤس والعوز، وتسحقهم الجرع السعرية كل يوم، الأمر الذي افرز في المحصلة النهائية استقطابات طبقية حادة بين غنى فاحش للقلة الطفيلية المحتكرة للسلطة والثروة، وفقر مدقع للأغلبية الساحقة من المواطنين وهو ما كان له الأثر البالغ في إعادة صياغة خارطة اجتماعية مشوهه، ومختلة غابت عنها الط
بق
ة الوسطى التي تشكل بطبيعتها عنصر التوازن المطلوب دوماً للاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي، أي أن غياب هذه الطبقة واضمحلالها، وضع المجتمع كله في حالة من الاستقطاب المنذر بالمواجهة والتفجر، كما أن غيابها عطل جانباً هاماً من الحياة السياسية، باعتبارها الحامل الاجتماعي للمشاريع السياسية غير الصدامية، وأدى التراجع عن المشروع الديمقراطي الذي أعقب انتخابات2006إلى ما يشبه الانسداد السياسي الذي أخذ يفقد المشروع الديمقراطي بريقه وسط الجماهير، حيث جعل هذا الوضع ينشئ مزاجاً مختلفاً في وعي هذه الجماهير، يستبعد إمكانية وقدرة المشروع الديمقراطي على السير بالحياة السياسية إلى نهايات حميدة لاسيما وأن السلطة قد أخذت تعد العدة لاستخدام القوة والعنف على نحو أشد في مواجهة هذا المشروع وخياراته السلمية والوطنية، وهو الأمر الذي فتح الباب أمام المزيد من الاختلالات الأمنية وبروز مشاريع التطرف والعنف على نطاق أوسع.
وكان لابد من الانتقال هنا خطوة أخرى بالقرأة الدقيقة لهذا الوضع والتعاطي معه بمسؤولية وطنية تاريخية بعيداً عن النزق والمغامرة أو التعسف للواقع الموضوعي والتمسك بخيار الإعداد الواعي والمسئول للمجتمع وقواه الحية للنضال السلمي الديمقراطي، أياً كان البطء في النتائج التي ترافق هذا الأسلوب من النضال من أجل التغيير فهو الأكثر ضماناً لدفع الشعب لتحمل مسؤوليته باعتباره صاحب المصلحة الأولى في هذه العملية والأقدر على حمايتها بعد ذلك، على عكس العمليات التي اطلعت بها النخب في مراحل مختلفة وكان من نتيجتها أن بقت الفجوة قائمة مع الجماهير وهو ما أدى إلى انتكاستها.