كان يحلم بسوريا ديمقراطية حرة ، وبعقل عربي نهضوي حديث.. والبارحة فجع الوسط الثقافي العربي ، برحيل د.صادق جلال العظم، كأحد أهم وأبرز رجالات الفكر النقدي المعاصر في العالم العربي.
تحولات وانهيارات وأحلام عديدة، عاش في خضم عواصفها التي لاتهدأ د.صادق جلال العظم على مدى أكثر من 5 عقود.. فمن مرحلة الثورات الأم، والانقلابات، إلى النكسة، مرورا بتجليات الحرب الباردة، والسلام التعس، والقطبية الأحادية ، وتوريث الجمهوريات، إلى زمن العولمة، وقضايا حقوق الإنسان ، والأسلمة، والتغيير: عانى العظم مرارة التكفير والتخوين والاسفاف والتلفيق ، فيما كان الانشقاقي والصدامي والتجديدي والعلماني ، المغاير والمختلف والشجاع في الطرح والمعالجات والاستشرافات .
السوري الريادي في إثارة السؤال التقدمي الديمقراطي، وتحدياته المتعددة..رحل في برلين بعيدا عن " دمشقه التي يعشق"عن عمر ناهز 82 عاما ، تاركاً إرثاً كبيراً من المؤلفات الإستثنائية ، التي حظيت باهتمام ملفت على الصعيدين العربي والعالمي .
ولد صادق جلال العظم بدمشق عام 1934م، ثم غادرها ليدرس الفلسفة في الجامعة الأميركية ببيروت، وتابع تعليمه في جامعة يال بالولايات المتحدة، ثم عمل أستاذاً جامعياً هناك، قبل أن يعود إلى سوريا ليعمل أستاذاً في جامعة دمشق. لكنه سرعان ما انتقل للتدريس في الجامعة الأميركية في بيروت بين 1963 و1968.
وفيما كان التنوير، أعلى همومه كمثقف متسق ، وهو الأستاذ الجامعي المرموق المتخصص في الفلسفة المعاصرة، وبشكل خاص فلسفة كانط وبيرغسون، لم ينغلق على جبهة واحدة، ومجال محدود، بقدر ما انفتح على عدة جبهات فكرية، منحازا لعدم فصل الفكر عن الواقع.
ومن أشهر مؤلفاته "النقد الذاتي بعد الهزيمة- 1968"، و "نقد الفكر الديني-1969" .
آنذاك بسبب آرائه النوعية في الكتابين ، تمت محاكمته بعد التكفير في بيروت، كما تم فصله من الجامعة الأميركية التي كان يدرس فيها بعد التحريض ضده ، وتحديدا جراء مواقف اعتبرت معادية للسياسة الأميركية في المنطقة إضافة إلى توقيعه عريضة تطالب بانسحاب الجيش الأميركي من فيتنام.
بعدها غادر إلى الأردن للتدريس في جامعتها 1969 فوجد ذات الكماشة ..كماشة غضب السلطات الدينية والسياسية، فعاد إلى بيروت ليصبح رئيس تحرير مجلة "دراسات عربية " 1969 .
أثار د.صادق جلال العظم، سجالات حادة وصاخبة على مدى سنوات طوال. فهو الكانطي البيرغسوني، والماركسي الليبرالي أيضا ، الذي نقد التراث والذات والآخر، بنسق غير تقليدي..وكإتجاه حضاري، استمر يتمرد على وصاية السلطة، كاشفا لمكامن الاستعصاء العربي على التطور والحداثة .
كان العظم قد انخرط في إعلاء القضية الفلسطينية منذ شبابه المبكر، كما كان على صلة فكرية بمثقفين وساسة من تنظيمات فلسطينية . وفي السياق انتج" دراسات يسارية في القضية الفلسطينية" و" سياسة كارتر ومنظرو تلك الحقبة"، و"زيارة السادات وبؤس السلام العادل". كما انتج كتابا من أهم بوصلات القضية " انحرافات العمل الفلسطيني" وفي ذات الفترة عرى الصهيونية بكتابه النابه كذلك" الصهيونية والصراع الطبقي".
ومن أهم مؤلفاته، تلك المرحلة، دراسة نقدية عن نقد ادوارد سعيد للاستشراق "الاستشراق معكوساً"،ثمة من يعتبرها اليوم من كلاسيكيات نقد الاستشراق، ودراسات ما بعد الكولونيالية .
في 1988 عاد لدمشق مدرسا في جامعتها، كما انهمك بتعمق في شؤون الدرس الأكاديمي المحض، فضلا عن الكتابة الصحفية في قضايا مختلفة.
أجيال من دارسي الفلسفة، ومن المشتغلين في حقول النقد لشؤون السياسة و الدين، تأثروا بطروحات العظم الذي تميز بالتعامل الديمقراطي مع طلابه وزملائه ، وبالثراء الخصوصي في علاقته بالناس .
تقاعد في دمشق فتمت دعوته كأستاذ زائر للتدريس في جامعات أمريكية ويابانية و ألمانية.
وطوال مشواره خلخل الثوابت والمعتقدات، كما تطرق لقضايا متنوعة ، بعقلية المستبصر الذي يطيح بالأصنام، متحررا من وهم اليوتوبيا الإيديولوجية المتصلبة، وبانحياز تام لتبدلات المفاهيم والأفكار والوقائع والآفاق .
في العام 1990، أصدر كتابه الضخم "ثلاث محاورات فلسفية.. دفاعا عن المادية والتاريخ "وهو عبارة عن حوار طويل وهام أجري معه في تلك المرحلة التي تنطوي على دلالات كثيرة.
دافع العظم عن الروائي سلمان رشدي في 1994 عبر كتاب جريء جدا ناقش فيه" ذهنية التحريم" في الواقع العربي والاسلامي منطلقا من رواية آيات شيطانية .
كان مع الحرية الفكرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها ضد الإستبداد. أصدر لاحقا "ذهنية مابعد التحريم".
واستمر الرجل يشعل المعارك الفكرية بجدارة.
يعتبر العظم من أبرز رموز ربيع دمشق الذي بدأ في سوريا بعد العام 2000 ، وثمة اجماع على جهوده في الدعوة لعقد أول مؤتمر للعلمانية في دمشق عام 2010، والذي منع إبانها من قبل الأمن السوري .
ثم مع تأييده للثورة السورية بداية اندلاعها في 2012 تمت مضايقته ففضل المنفى النهائي قسرا.
تعرض د.صادق جلال العظم لموجات من التشنيع والاتهامات بالأخونة والدعشنة وانه على صلة بدوائر صهيونية عقبها ..تلفيقات من يختلفون معه في الرأي والأفكار للأسف.
لكن المفارقةتكمن في أن العظم يرحل بعد إتهامات -جوفاء- له بالطائفية-من قبل الطائفيين طبعا!- فضلا عن الذين يتخرصون عليه بأنه ترك اليسار ليذهب لليمين المتطرف ، والسبب نقده للعلوية السياسية كنظام مذهبي عائلي استبدادي، ثم لإنحيازه لثورة الشعب السوري منذ بدايتها - محتفظا بمسافة لنقدها بالطبع- مع العلم انه صاحب كتاب " نقد الفكر الديني " الأشهر من نار على علم، وهو درس بسيط لليسار الطائفي.!
ففي أحد حواراته الأخيرة المسجلة يقول الراحل الكبير: "...النظام هو السبّاق في التعبئة على أساس طائفي...نعرف كواقعة لازم تقال: العمود الفقري للنظام والقمع وقهر الثورة هي الطائفة العلوية...المشكلة مع العلوية السياسية ... ".
أليست هذه مشكلة سوريا الأساسية منذ خمسين عاما !؟
بحسب العظم فإن" اندلاع الثورة في سورية هو الذي استجلب الصراعات الدولية والإقليمية القائمة أصلاً إليها وما يجري في سورية اليوم هو إنتفاضة بالتأكيد، أخذت تشبه في كثير من ملامحها ومسارها حروب التحرير الشعبية طويلة الأمد ضد سلطة جائرة وقاهرة ومتجبّرة لم تعد الأكثرية الشعبية في البلد تطيقها".
وفي لقاء تلفويوني قبل سنوات أكد على أن" ما يجري في سورية هو ثورة أيضاً، لكون الهدف هو الإطاحة بالنظام القديم المهترئ والمتداعي والذي لم يعد قابلاً للحياة. ثورات العصر الحديث كانت دوماً تهدف إلى الإطاحة بنظام قديم ما، لصالح نظام جديد يتطوّر ويتبلور من رحم الثورة نفسها ولايمكن البتّ بخصائصه بصورة مسبقة".
وعن حقيقة وجود" بعد طائفي" في سورية من جهة النظام والمعارضة، رأى العظم أنه "يوجد أبعاد طائفية متعدّدة لما يحصل في سورية اليوم على الرغم من المحاولات الكثيرة لإنكار ذلك.. وجميع الاجتماعات والمؤتمرات التي شاركت فيها خلال السنوات الماضية كانت تتهرّب عمداً من الاعتراف بوضوح بالأبعاد الطائفية للصراع في البلد وكأن ذكر الشيء يجلبه وعدم ذكره يبعده" مشيراً إلى أنه "من الأفضل للثورة أن تعي نفسها جيداً بلا تورية وأن تصارح نفسها علناً .. فالثورة رفعت غطاء الطنجرة (كما نقول باللغة الدارجة) فظهرت التشقّقات المجتمعية وظهر العفن الطائفي الذي خلفه النظام بعد حكم نصف قرن".
وخلص "العظم إلى أنه "لا يمكن للصراع أن يصل إلى خاتمته بدون سقوط العلوية السياسية تماماً كم أن الحرب في لبنان ما كان يمكن أن تصل إلى خاتمتها بدون سقوط المارونية السياسة (وليس الموارنة) في لبنان".
كنا عبّر العظم عن تخوّفه من تنظيم داعش وقال "يجب التخلص منها" إلا أنه اعتبرها امتداداً للنظام وسترحل مع رحيله.!
قناة الاشتراكي نت تليجرام _ قناة اخبارية
للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة

