عندما اعلنت سفارة السعودية في واشنطن، من خلال مؤتمر صحفي عشية 26 مارس الماضي، اعتزام بلادها البدء بشن حملة واسعة على جماعة الحوثي وصالح، استجابة لدعوة الرئيس عبدربه منصور هادي الذي بات يواجه انقلابا مكتمل الاركان، فإن الدول التي يكون لها حضورا مؤثرا في أي ازمات، كانت تعيش ارتباك حقيقي، كما هو شأن اليمنيين في الداخل، كان ذلك القرار بحاجة الى وقت كافي لكي يستوعبه الجميع.
بعد ساعات من ذلك المؤتمر الصحفي، كانت المملكة تقود تحالف من عشر دول، وشرعت في تنفيذ عملية عسكرية اطلق عليها اسم "عاصفة الحزم" يقال بأن العبارتين قد آخذت من قصيدة للمؤسس عبدالعزيز بن سعود. أما ارتباك الدول المؤثرة، لم يكن مبعثه ذلك القرار المفاجئ وحسب، بل ايضا بسبب ان خيوط الصراع لم تكن قد نضجت محليا، لكي تتضح خيوطها اقليميا ودوليا.
أمس الأول، أعلن المبعوث الخاص السابق للأمم المتحدة إلى اليمن جمال بن عمر أن الأطراف اليمنية كانت قاب قوسين أو أدنى من إبرام اتفاق سياسي، نتيجة حوار دام أكثر من شهرين عشية إطلاق "عاصفة الحزم". وبقدر ما اثاره هذا الاعلان من سخط، بقدر الغموض الذي اثاره بن عمر حول تلك المسافة التي يمكن تسميتها بـ"قاب قوسين".
استدرك بن عمر بقوله: "النقطة الشائكة الرئيسة كانت مسألة الرئاسة."وحتى مع ادراكه ان هذه النقطة هي الجوهرية وهي التي قد تجعل الرئيس السابق علي عبدالله صالح ومعه جماعة الحوثي، يباعدون بين الأقواس لسنوات ضوئية قبل ان يقبلوا اتفاقا لا يضمن لهم تلك النقطة الشائكة.
أظهر بن عمر نبرة واضحة، هي خلاصة المهمة التي اضطلع بها على مدى اربع سنوات، والتي اصبح من الممكن تسميتها بـ"عملية انضاج صراع مستفحل"، وكان تقريره الأخير يندرج في سياق هذه المهمة.
تشير الاحصائيات الى سقوط أكثر من الف قتيل خلال شهر واحد، فيما عدد النازحين وصل الى 300 ألف، والأوضاع الانسانية في تدهور متسارع، بينما المجتمع الدولي، يتبادل التصريحات النارية، ويتعامل ببرود ازاء كل ما يجري في اليمن.
وعقب حديث بن عمر، أعلن مندوب روسيا الدائم في الأمم المتحدة فيتالي تشوركين أن موسكو تؤيد استئناف الاتصالات السياسية بين أطراف الأزمة في اليمن.
وقال تشوركين الثلاثاء 28 أبريل/نيسان للصحفيين عقب انتهاء الجلسة المغلقة لمجلس الأمن حول اليمن: "ندعم استئناف الاتصالات السياسية في أسرع وقت ممكن، وعلى ما يبدو فإن أغلبية الأطراف مستعدة، لذلك آمل في ضغط سياسي شديد من قبل الأمين العام ومبعوثه الخاص الجديد" على الأطراف المتنازعة.
واشنطن من جهتها، ولاثبات حسن نيتها اتجاه السعودية، وتطمينها بعدم التخلي عنها، ألقت باللوم على جماعة الحوثيين في تجدد قصف التحالف العربي بقيادة السعودية، واتهمتهم باستغلال الهدوء النسبي لمواصلة التقدم في ساحة المعارك بدلا من المساعدة في تهدئة الأوضاع من أجل محادثات السلام.
وقال وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إن الحوثيين سعوا إلى تحقيق مكاسب على الأرض منذ إعلان الرياض عن إيقاف القصف الجوي، موضحا أن التحول السعودي استند إلى التزام جميع الأطراف بتهدئة الأوضاع.
تصريحات كهذه، هي من قبيل قول ما يجري رغم ان الجميع يعرفه حتى من قبل ان تعلن السعودية وقف عاصفتها، لكن هذا الذي يحدث ينظر له من قبل تلك الدول كبذرة جيدة لاستفحال الصراع.
كيري ولمزيد من الشفافية قال بأنه سيناقش الأزمة اليمنية مع نظيره الإيراني لاحقا مضيفا "بالتأكيد أنا سأحثه على قيام كل طرف بدوره لمحاولة تهدئة العنف والسماح ببدء المفاوضات".
من ناحية أخرى، أكد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على ضرورة اعتماد الحوار في الیمن کطريقة لحل الأزمة، مشددا على أهمية الدور الأممي في تبني الحوار والإشراف عليه من أجل تسوية الأزمة في اليمن.
التقدم والتقهقر لا يمكن النظر اليه من خلال ما يجري على الارض اليمنية، ولكن في تلك المساحة الدولية التي يتجاذبها الدبلوماسيون، ومن خلال التطورات الأخيرة منذ جلسة مجلس الأمن، حيث اصبح واضحا أن كل من الأطراف الدولية تسعى لوضع يدها على جزء من الصراع كمقدمة للتمترس الذي سيعود عليها باستحقاقات على حساب حياة اليمنيين.
يرى مراقبون، أن الوضع في اليمن يراد له ان يذهب نحو مزيد من الكارثية والتعقيد، وهذه هي النقطة الوحيدة التي يمكن لجميع الأطراف الخارجية الاتفاق عليها، بما في ذلك السعودية وايران، ومن وراءهما، امريكا وروسيا، وهذا بسبب ان خارطة المصالح لم تتضح بعد، كما أن الولاءات على الارض وادارة حروب بالوكالة لا تزال بحاجة لمزيد من الصقل، لتصبح ولاءات صلبة وحقيقية كما هو الشأن في سوريا.
من الجيد الاشارة الى أن مجلس الأمن الدولي اعرب الاثنين 27 أبريل الحالي عن قلقه من سوء الأوضاع الإنسانية في اليمن، مشددا على ضرورة إيصال المساعدات الإنسانية إلى اليمن، بل وشدد على ضرورة استئناف العملية السياسية في اليمن، مؤكدا على أهمية أن يبدأ الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون محاولة إيجاد حل للأزمة اليمنية، أما المبعوث الأممي الجديد إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد فينوي دعوة الأطراف المتنازعة في اليمن إلى محادثات سلام ستعقد في جنيف، حسبما أفاد به دبلوماسي دولي في نيويورك بأن المشاورات حول عقد المحادثات لا تزال في بدايتها، مشيرا إلى أن جنيف اختيرت لأنها تقع في بلد محايد يمكنه استقبال كل الأطراف المعنية فيه.
لعل جنيف تذكر اليمنيين بأشياء كثيرة، من بينها اتفاقيات ابرمت بين المعارضة والنظام السوري برعاية دولية ثم بقت حبر على ورق، ولعل هذه الرعاية الدولية، وتجاذب الدول الراعية للحرب، هو أكثر ما يبعث القلق.

